أخبار عاجلة
ضربة أميركية ضد إيران هذه الليلة؟! -
“الحزب” يفتح النار على عون ويهدّد! -
مؤتمر دعم الجيش لا يحجب بقية الملفات -
ضربة إيران بمرحلتين.. وقد تشمل لبنان! -

الفانات.. شريان حياة محفوفة بالخطر

الفانات.. شريان حياة محفوفة بالخطر
الفانات.. شريان حياة محفوفة بالخطر

كتب شربل صفير في “نداء الوطن”:

قبل أن يفتح النهار عينيه، تتحرك الفانات في شوارع بيروت وضواحيها. أبواب تُفتح وتُغلق على عجل، وجوه متعبة تتزاحم داخل مركبات صغيرة، وهدير المحركات يسبق ضوء الشمس. في هذا التوقيت المبكر، تبدأ رحلة آلاف اللبنانيين اليومية نحو أعمالهم ومدارسهم ومستشفياتهم، في سباق صامت مع الوقت، مع ازدحام الطرق، ومع القدرة على الاحتمال.

في لبنان، لم تعد الفانات مجرد وسيلة نقل. أصبحت شريان حياة فعليًا، الخيار الأسرع والأقل كلفة في بلد تآكلت فيه القدرة الشرائية وغابت عنه شبكة نقل عام منظمة. لكنها، في الوقت ذاته، تحمل مخاطر متراكمة، تجعل كل رحلة اختبارًا مفتوحًا للسلامة.

من مقعد السائق: يوم طويل بلا هوامش أمان

يبدأ كثير من سائقي الفانات يومهم قبل الفجر، ويمتد لأكثر من عشر ساعات متواصلة خلف المقود، في ظل ارتفاع متواصل في أسعار الوقود وتكاليف الصيانة.

أبو حسن، سائق فان على خط بيروت – الضاحية، يختصر واقعه عبر “نداء الوطن” بعبارة واحدة: “سباق بلا هوامش أمان”. وراء هذه الكلمات، تكمن ساعات طويلة من القيادة المتواصلة قبل الفجر، في شوارع مزدحمة وتحت ضغط الركاب الذين يتوقعون وصولهم في الوقت المحدد مهما كانت الظروف. يقول أبو حسن: “إذا خففت السرعة أُتَّهم بالتأخير، وإذا أسرعت أعرّض نفسي والركاب للخطر. لا قانون واضحًا يحمينا، ولا تعرفة تعكس الكلفة الفعلية”.

ويضيف: “أحيانًا أجلس خلف المقود لأكثر من عشر ساعات متواصلة، أتناول وجبة سريعة على الطريق، وأكمل الجولة التالية مباشرة. الضغط النفسي لا يقل عن الإجهاد الجسدي. أشعر أن كل يوم هو اختبار للبقاء، ليس فقط بالنسبة لي كسائق، بل لكل من يركب الفان معي”. أبو حسن لا يتحدث فقط عن السرعة، بل عن مسؤولية حياة عشرات الركاب التي تتضاعف مع ازدحام الطرق وأخطار الطرق غير الخاضعة للصيانة.

أما ربيع، سائق فان في المتن، فيشير بدوره في حديث لـ “نداء الوطن” إلى هشاشة المهنة التي يعتمد عليها كمصدر رزق وحيد. يقول: “الفان مصدر رزقي الوحيد. كلفة الصيانة أصبحت مرعبة، وتعطّل السيارة ليوم واحد يعني خسارة كل شيء”. ويضيف: “أحيانًا أضطر للعمل رغم شعوري بالإرهاق أو المرض، لأن التوقف يعني خسارة الدخل اليومي بالكامل”.

ويصف ربيع الضغوط اليومية على الطريق: “لكل منعطف خطر، لكل سيارة تتجاوزك على الطريق، لكل شارع ضيق، أنت تتخذ قرارات في جزء من الثانية قد تحدد بين الأمان والخطر. نحن نعيش على حافة الإرهاق الجسدي والنفسي، متشبثين بشريان حياتنا الوحيد”. ويؤكد ربيع أن الأمر لا يقتصر على القيادة فقط: “كثير من السائقين يعيشون القلق المالي المستمر، بين القدرة على تغطية تكاليف الوقود والصيانة وبين الحاجة لتوفير لقمة العيش لعائلاتهم”.

من المقعد الخلفي: ركاب بين الضرورة والقلق

على الجهة الأخرى من المقاعد الضيقة، يجلس الركاب متلاصقين، يشاركون السائق القلق ذاته، لكن من منظور مختلف؛ منظور الركاب الذين يواجهون الزحام، الطرق المتعبة، والتوتر المستمر.

مريم، موظفة تعمل في وسط بيروت، تقول لـ “نداء الوطن”: “الفان هو الخيار الوحيد الذي أستطيع تحمّله ماديًا، لكن كل رحلة تحمل توترًا دائمًا”. وتوضح مريم كيف تتحول الرحلة اليومية إلى اختبار للصبر والتحمّل: “أحيانًا يختلط رائحة الوقود بالعرق، والازدحام يجعل من كل منعطف خطرًا محتملاً. أراقب السائق وأنا أشعر بالقلق من أي تصرف خاطئ قد يؤدي إلى حادث”. بالنسبة لها، ليست مجرد وسيلة نقل، بل تجربة يومية مليئة بالتحديات، حيث كل دقيقة في الطريق يمكن أن تكون محفوفة بالمخاطر، خاصة مع ازدحام الطرق في الصباح الباكر أو وقت الذروة.

سامي، طالب جامعي، يضيف لـ “نداء الوطن” نظرة أخرى على الرحلة اليومية: “نختاره لأنه الأرخص، لكننا ندفع الثمن من أعصابنا وسلامتنا. لا مواعيد ثابتة، ولا جهة نعرف كيف نلجأ إليها”. ويستطرد سامي: “كل صباح هو مقامرة صغيرة، بين الوصول في الوقت المناسب للجامعة وبين احتمال التعرض لحادث أو التأخر بسبب ازدحام أو تعطّل السيارة. نحن ندفع تكاليف مالية أقل، لكن ثمن السلامة والطمأنينة النفسية مرتفع جدًا”.

ويصف الركاب المشهد اليومي في الفان: المقاعد ضيقة، الأشخاص متقاربون إلى حد الاختناق في أحيان كثيرة، المحادثات مقتضبة، وتركيز الانتباه على الطريق أكثر من أي شيء آخر. “أحيانًا نلتقط أنفاسنا بصعوبة”، تقول مريم، “ونشعر أننا محاصرون بين ضغوط العمل، أعباء الحياة اليومية، والتوتر المستمر على الطريق”.

بالنسبة للطلاب والموظفين على حد سواء، الفان ليس مجرد وسيلة تنقل، بل شريان اقتصادي واجتماعي؛ وسيلة متاحة وميسورة في بلد تتضخم فيه تكاليف النقل والخدمات. ومع ذلك، تبقى الرحلة اليومية رحلة محفوفة بالقلق المستمر، حيث يغيب النظام، وتظل الحاجة الاقتصادية اليومية مضطرة لركوب هذه الوسيلة غير المنظمة.

بالأرقام: اعتماد واسع وفجوة تنظيمية خطيرة

تُظهر أحدث مراجعات البنك الدولي وبيانات مصلحة النقل في لبنان أن قطاع النقل غير الرسمي بات العمود الفقري الفعلي للتنقل اليومي. فلبنان يضم نحو 4 آلاف “فان وميني باص” مرخّصة، يقابلها ما يقارب 10 آلاف مركبة تعمل خارج الإطار القانوني، فيما يصل عدد سيارات الأجرة المشتركة إلى نحو 33 ألف سيارة مرخصة إضافة إلى نحو 20 ألفًا غير مرخصة. هذه الأرقام تكشف فجوة واسعة بين ما هو منظم وما هو قائم فعليًا على الطرقات، وتعكس اعتمادًا شعبيًا هائلًا على وسائط نقل غير موحّدة في ظل غياب شبكة نقل عام متكاملة.

وفي بيروت الكبرى، تستحوذ السيارات الخاصة على قرابة 80 % من حركة التنقل اليومية، مقابل نحو 20 % فقط للنقل المشترك، ما يكرّس ازدحامًا خانقًا وتكاليف مرتفعة وتلوّثًا متزايدًا. أما النقل العام الرسمي، فلا يزال في مراحله الأولى، إذ أُطلقت عام 2025 شبكة مؤلفة من 11 خطًا، لا يتجاوز عدد مستخدميها اليوم 4,500 راكب يوميًا، ما يعكس طلبًا فعليًا على بدائل أكثر انتظامًا، لكنه يسلّط الضوء في الوقت نفسه على ضآلة الحصة الرسمية.

المشكلة في السياسة لا في الفانات

يرى أستاذ التخطيط الحضري والنقل في إحدى الجامعات اللبنانية، وائل محسن، أن ما يشهده لبنان اليوم من فوضى في قطاع النقل هو نتيجة طبيعية لانهيار منظومة النقل العام. ويقول: “النقل غير الرسمي ليس المشكلة بحد ذاته، بل نتيجة غياب الدولة عن إدارة هذا القطاع الحيوي. الفانات والسيارات المشتركة لم تظهر فجأة؛ هي حل عملي فرضته الحاجة اليومية للمواطنين الذين لا يجدون بدائل آمنة وموثوقة”.

ويضيف محسن أن الحل يكمن في التنظيم وليس المنع: “يمكن دمج الفانات ضمن منظومة نقل عام متكاملة عبر وضع خطة واضحة تحدد المسارات، تعرفة عادلة، ومعايير السلامة التي تحمي الركاب والسائقين معًا. هذه الخطوة ليست رفاهية، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية تقلل التكاليف على الدولة والمواطن وتحد من الحوادث”.

ويؤكد الخبير أن التجربة الدولية تظهر أن دمج النقل غير الرسمي ضمن نظام منظم يمكن أن يحوّل القطاع من مصدر فوضى إلى عنصر أساسي في شبكة متكاملة، مع تحسين جودة الخدمة وتخفيف الضغط على الطرقات.

ويختم محسن: “الأمر يحتاج إرادة سياسية حقيقية، وخطة عملية تتجاوز الشعارات، وإلا فإن الأزمة ستستمر، وستظل الفانات حلًا موقتًا على حساب السلامة والأمان العام”.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق وساطة دبلوماسية لمنع “التهوّر”
التالى 2025 كان عام التحوّل في سياسة واشنطن تجاه لبنان