كتب أندريه مهاوج في “نداء الوطن”:
تتابع فرنسا الوضع الإيراني في أعقاب الاحتجاجات السابقة، معربة عن قلقها من القمع الدامي للمتظاهرين ومرحّبة بوقف الإعدامات، مؤكدة دعمها الشعب الإيراني في مطالبه المشروعة مع التركيز على الحفاظ على حقوق الإنسان والحرّيات الأساسيّة. وفي خطوة تعكس الجدية في متابعة الملف الإيراني، عقد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 15 كانون الثاني الجاري، اجتماعًا لمجلس الدفاع الوطني لتقييم الوضع، حيث شدّد الاجتماع على متابعة آثار التوترات الداخلية السابقة، ورحّب بخطوة وقف بعض الإعدامات الأخيرة، مؤكّدًا أن فرنسا تراقب الوضع بحذر من دون الانزلاق إلى أيّ تصعيد عسكريّ، بخاصة في ظلّ تراجع الولايات المتحدة عن أي خيار عسكري مباشر ضد إيران، ما يعزز فرص الحلول الدبلوماسية والحوار المتعدّد الأطراف. هذا ما ترجحه باريس بالتناغم مع الدول الخليجية في طليعتها المملكة العربية السعودية.
دعم الحقوق والحرّيات الأساسيّة
ناقش الاجتماع أهمّية التنسيق مع شركاء الاتحاد الأوروبي في استمرار الضغط الدبلوماسي وفرض عقوبات على المسؤولين الإيرانيين المرتبطين بانتهاكات حقوق الإنسان، مع تقييم شامل للأمن الإقليمي وتأثير الملف الإيراني على مصالح فرنسا وأوروبا. وفي الوقت ذاته، تتابع باريس عن كثب الملف النووي الإيراني، وتضغط على طهران لتقييد أنشطة الحرس الثوري وميليشياته، معتبرة أن هذه القوات تمثل تهديدًا للأمن الإقليمي، بينما تعمل فرنسا على الحفاظ على روابط دبلوماسية وأمنيّة مع شركائها الخليجيين لمواجهة النفوذ الإيراني الإقليميّ، مع الالتزام بمبدأ الحوار والحلول الدبلوماسية. وتعكس هذه المواقف مجتمعة سياسة فرنسا المتوازنة تجاه إيران، التي تجمع بين إدانة الانتهاكات والحفاظ على الاستقرار الإقليميّ.
هذا الموقف جسّده أيضًا بوضوح البيان الصادر عن وزارة الخارجية التي استدعت في 13 الجاري السفير الإيراني، وأبلغته احتجاجًا رسميًا على العنف الممنهج ضد المتظاهرين السلميّين، مؤكدة أن فرنسا تقف إلى جانب الشعب الإيراني في مطالبه المشروعة بحسب ما جاء في بيان الخارجية.
هذه المواقف المستجدة تضاف إلى تبني البرلمان الفرنسي العام الماضي قرارًا يدعو الاتحاد الأوروبي لتصنيف الحرس الثوري والباسيج منظمتين إرهابيتين مع دعوات لعقوبات أوسع على المسؤولين الإيرانيين المتورّطين في انتهاكات حقوق الإنسان. هذا الموقف يعكس رفضًا فرنسيًا واضحًا لدور التنظيمات التي تؤدي أدوارًا في النزاعات الإقليميّة.
لبنان في قلب الاستراتيجية الفرنسية
ترى فرنسا أن إيران تمثل تحدّيًا مزدوجًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب سياساتها الدّاخلية وقمع الاحتجاجات، ولكن أيضًا عبر نفوذها الإقليميّ الذي تمارسه من خلال قوى مسلّحة وحلفاء لها مثل “حزب اللّه” في لبنان. باريس تعتبر أن هذا النفوذ يضعف سيادة الدولة اللبنانية ويحدّ من قدرتها على فرض القانون والأمن على كامل أراضيها، ما يهدّد الاستقرار الوطنيّ والإقليميّ على حدّ سواء. ولهذا، تتبع فرنسا نهجًا صارمًا يقوم على تعزيز مؤسّسات الدولة اللبنانية، ودعم الجيش والقوى الأمنية الشرعية، بما يشمل التحضيرات لعقد مؤتمر دوليّ في باريس لدعم الجيش والقوى الأمنيّة، بهدف تقوية قدرة الدولة على فرض سيادتها ومنع أيّ تحرك من “حزب اللّه” ينسجم مع أجندة إيران الإقليمية.
حصر النفوذ الإيراني
زيارة الموفد الرئاسي جان إيف لودريان لبنان وتحرّكه من ضمن اللجنة الخماسية وبشكل منفرد موازٍ، يندرج في إطار إظهار موقف فرنسي حازم تجاه “حزب اللّه” وحتمية التخلّي عن سلاحه على كامل الأراضي لصالح الدولة اللبنانية وعدم الالتفاف على قرارات الحكومة أو القرارات الدولية وإعطائها تفسيرات لا تندرج في إطار التخلي النهائي عن السلاح بشكل كامل وإعادة تفعيل مؤسّسات الدولة.
الموقف الفرنسي تجاه “حزب اللّه” وإيران منسّق مع الدول الأوروبية والعربية وبشكل خاص مع الولايات المتحدة لتجنيب لبنان أيّ انزلاق نحو مواجهات عسكرية جديدة. وفي هذا الإطار، فإن الخطاب الدبلوماسي لباريس يركّز على الحدّ من توسّع النفوذ الإيراني وفرض القيود على أيّ تحركات قد تقوّض الدولة اللبنانية، مع الإبقاء على قنوات الحوار للحفاظ على التوازن الإقليميّ. فرنسا بذلك توظف مزيجًا من الضغط السياسي والدبلوماسي ودعم مؤسسات الدولة لاحتواء تأثير إيران، مع التأكيد أن أيّ تصعيد من قبل “حزب اللّه” سيكون مراقبًا بعناية في إطار سياسة باريس الساعية إلى إبعاد لبنان عن النفوذ الإيراني.




