إسرائيل تُدير المعركة مع “الحزب” وأميركا تفتح الحساب مع إيران

إسرائيل تُدير المعركة مع “الحزب” وأميركا تفتح الحساب مع إيران
إسرائيل تُدير المعركة مع “الحزب” وأميركا تفتح الحساب مع إيران

كتب داود رمال في “نداء الوطن”:

يشهد الإقليم في هذه المرحلة واحدة من أكثر لحظاته دقة وخطورة، حيث تتقاطع مسارات الضغط العسكري والاستخباري والتكنولوجي، لكن مع فارق واضح في الأهداف والأحجام والأولويات. ففي مقابل المسار الإسرائيلي الذي يركّز بإطباق وارتياح على “حزب الله”، يتقدّم المسار الأميركي بثقل أكبر نحو إيران نفسها، باعتبارها رأس الهرم ومركز القرار والتمويل والتسليح، وليس لاعبًا منضبطًا على هوامش النفوذ.

إسرائيل تبدو اليوم شديدة الارتياح للمسار الذي تعتمده في مواجهتها مع “حزب الله”. هي تواصل الأعمال العدائية من قتل وتدمير واستهدافات دقيقة، مستندة إلى تفوق تكنولوجي واستخباري مطلق تقريبًا، سمح لها حتى الآن بإدارة هذه المواجهة من دون أن تدفع أي كلفة بشرية مباشرة. هذا التفوق تحوّل إلى عقيدة عمل، تقوم على الاستنزاف الذكي، والضربات المحسوبة، وإبقاء الاشتباك دون عتبة الحرب الشاملة، مع تحقيق أهداف تراكمية على مستوى البنية العسكرية والأمنية والنفسية لـ “الحزب”. وفي هذا السياق، تبدو إسرائيل مطمئنة إلى أن هامش المناورة لا يزال بيدها، وأن ميزان المخاطر مضبوط طالما أن القرار الإقليمي الأكبر لم يُتخذ بعد.

في المقابل، فإن مشكلة إيران، والتي عجّلت في تصاعد الغضب الأميركي تجاهها، أنها انتقلت من اللعب داخل المساحات الرمادية التي اعتادت واشنطن غض الطرف عنها، إلى التمركز داخل الفضاء الاستراتيجي الحيوي للولايات المتحدة نفسها. فالتمدّد الإيراني في العراق واليمن وسوريا ولبنان كان، لسنوات، محل مراقبة دقيقة، ومقبولًا أميركيًا ضمن حدود معيّنة، على قاعدة أنه تمدّد قابل للضبط والاحتواء، ويمكن إنهاؤه متى تقرر ذلك، وهذا ما حصل فعلًا. لكن ما لا تغفره الولايات المتحدة هو ذهاب إيران بقدميها إلى “وكر الأفاعي”، أي إلى فنزويلا، ومحاولة بناء موطئ قدم عسكري – تكنولوجي في خاصرة الأمن القومي الأميركي المباشرة.

الأخطر في هذا المسار لم يكن فقط الحضور السياسي أو العسكري الإيراني في فنزويلا، بل البرامج النوعية التي جرى العمل عليها مع نظام مادورو، بدءًا من تصنيع المسيّرات، وصولًا إلى ما هو أخطر بكثير وهو برنامج الصواريخ الباليستية. هنا، تجاوز الإيرانيون كل الخطوط الحمر الممكنة، وطرحوا سؤالًا وجوديًا على صانع القرار الأميركي: هل يُعقل أن تستيقظ الولايات المتحدة يومًا لتجد صواريخ باليستية إيرانية في أميركا اللاتينية؟ ألم يتعلّم الإيراني من درس الصواريخ السوفياتية في كوبا، تلك الأزمة التي كادت تشعل حربًا نووية عالمية قبل أن يتم احتواؤها بشق النفس؟

الرد الأميركي لم يتأخر، وجاء، بحسب أوساط دبلوماسية، على شكل عملية عسكرية واستخبارية وتكنولوجية بالغة الدقة والسرعة. عملية لم تستغرق أكثر من نصف ساعة، جرى خلالها تدمير وتعطيل جميع وسائط الدفاع الجوي، ومخازن ومصانع المسيّرات، والبنية المرتبطة بالبرنامج الباليستي. الأخطر أن عدد القتلى الإيرانيين في هذه الضربة وُصف بالعشرات، ما يعني أن الرسالة لم تكن تقنية فقط، بل بشرية وسياسية أيضًا؛ الاقتراب من الخطوط الحمر الأميركية ثمنه باهظ.

انطلاقًا من ذلك، بات واضحًا أن ضربة إيران لم تعد احتمالًا قد يصرف النظر عنه، بل تحصيل حاصل. توقيتها، وفق المعطيات الدبلوماسية، مرجّح قبل انطلاق الحملة الانتخابية النصفية في الولايات المتحدة، حيث يحتاج القرار الأميركي إلى حسم الملف الإيراني قبل الدخول في حسابات الداخل والناخبين. وفي هذا السياق، ربما لم ينتبه كثيرون إلى دلالة ما قاله دونالد ترامب في مؤتمره الصحافي الأخير مع بنيامين نتنياهو. حديثه عن لبنان اقتصر على جملتين مقتضبتين: “الحكومة اللبنانية تعمل ولكن ببطء، و”حزب الله” سلوكه سيئ جدًا وسنرى”. فيهما رسالة واضحة لنتنياهو ان استمر في الضربات والضغط، لكن لا تذهب الآن إلى حرب شاملة.

في المقابل، عندما سُئل ترامب عن إيران، تحدث لأكثر من خمس عشرة دقيقة متواصلة، وركّز خطابه على الشعب الإيراني، لا على النظام فقط. هذا الفرق في الزمن والخطاب يمكن اعتباره جوهريًا وذا دلالات كبيرة، كونه يعكس ترتيب الأولويات؛ لبنان و “حزب الله” ملف يُدار، أما إيران فهي الهدف الاستراتيجي الكبير.

عسكريًا، إذا كان هناك هدفان، أحدهما بحجم إيران والآخر بحجم “حزب الله”، فإن منطق الحروب يقول إن البداية ستكون من الهدف الأكبر. ضرب إيران أو تغيير نظامها يعني عمليًا، ولو تدريجيًا، تفكيك “حزب الله”، أو على الأقل إنهاء دوره العسكري كما هو معروف اليوم. فـ “الحزب”، مهما بلغت قدراته المحلية، يبقى جزءًا من منظومة إقليمية مركزها طهران، وتغيير الرأس يغيّر حتمًا مصير الأذرع.

من هنا، تأتي النصيحة العربية والدولية الموجّهة إلى لبنان وهي الاستفادة من هذا الوقت المستقطع، وربما القصير، للذهاب سريعًا إلى اتفاق داخلي واضح على حصرية السلاح شمال الليطاني. ليس من باب الإملاءات، بل من باب تحصين البلد وحمايته من تداعيات حرب تبدو، وفق كل المؤشرات، أقرب إلى إيران خلال أيام أو أسابيع. فلبنان، المنهك أصلًا، لا يملك ترف انتظار العواصف الإقليمية من دون حدّ أدنى من التماسك الداخلي، ولا قدرة له على تحمّل كلفة أن يكون مرة جديدة ساحة تصفية حسابات الآخرين.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق رئيس بلدية جبيل: لإعادة تأهيل المباني المتصدعة
التالى 2025 كان عام التحوّل في سياسة واشنطن تجاه لبنان