النبطية بلا رقابة: اللحوم المثلّجة تغزو السوق

النبطية بلا رقابة: اللحوم المثلّجة تغزو السوق
النبطية بلا رقابة: اللحوم المثلّجة تغزو السوق

كنب رمال جوني في “نداء الوطن”:

لم يُسجَّل أيّ تحرّك لمراقبي الاقتصاد في النبطية منذ فترة، على عكس ما تشهده صيدا ومنطقة صور وحتى جزين، من حركة مكوكيّة لمراقبي الاقتصاد هناك، وتسجيل مخالفات بالجملة، سواء المتعلّقة بالغذاء أو المحروقات وحتى محطات المولّدات.

يكفي ملف اللحوم المثلّجة التي تُباع في كثير من ملاحم النبطية ومطاعمها ليتحرّك الاقتصاد. وتشير المعلومات إلى أن مركبة تحضر صباح كلّ يوم، وتجول على عدد من الملاحم والمطاعم وتبيعها اللحوم المثلّجة، التي تُباع بدورها طازجة للمواطن. هذا واحد من جملة ملفات تتعلّق بالأمن الغذائيّ والاقتصاديّ في المنطقة.

أسئلة كثيرة تُطرح، والجواب يُختصر بكلمة واحدة بحسب مراقبين: «ما في شي مهم ليتراقب». واقع بات يؤرّق كثيرين، خاصة في ظلّ التفلّت الغذائيّ الحاصل، والغش الذي لا يقتصر على الغذاء بل يمتدّ حتى المياه والمحروقات وغيرها.

يكاد لا يمرّ يوم في منطقتي صيدا وصور إلّا ويُسجَّل ضبط محضر لهذا الفرن وتلك المؤسّسة وغيرهما، إلّا في منطقة النبطية، حيث الأمور في الشكل «تبدو مضبوطة» أو «عالبكلة»، لكن في الواقع الصورة مغايرة، فما الذي يمنع ذلك؟

تكاد حركة مراقبي اقتصاد الجنوب لا تهدأ في هذا الملف، إذ ضُبط 50 كلغ من اللحم الفاسد في مستودع لبيع اللحوم المثلّجة، وتبيّن أنه لا يستوفي أدنى شروط النظافة ولا يراعي شروط التخزين. ونظّمت مصلحة الاقتصاد محضر ضبط بحق المخالف، وحجزت البضاعة، وبإشارة من المحامي العام الاستئنافي في الجنوب القاضية أميرة شحرور، خُتم المستودع بالشمع الأحمر وأُتلفت البضاعة.

دخل ملف اللحوم المثلّجة مرحلة متقدّمة، إذ إن كثيرًا من الملاحم تبيعها على أنها طازجة، وسُجِّلت حالات تسمّم عديدة. تتراوح الأسعار بين 900 ألف ومليون و 350 ألف ليرة للكيلو الواحد من اللحم. طبعًا تختلف نوعية اللحوم، وكلّ ملحمة أو مطعم يقول إنه «يستخدم لحمًا إسبانيًا». ورفعت إحدى الملاحم سعر الكيلو لديها من مليون و 200 ألف إلى مليون و 350 ألف ليرة بحجّة ارتفاع أسعار اللحوم، نتيجة شحّ الأبقار المستوردة والعراقيل التي يتمّ وضعها عند المرفأ، وتدّعي أنها تبيع لحمًا إسبانيًا ذا جودة عالية.

تقول إحدى السيدات إنها اشترت لحمة مدقوقة من تلك الملحمة، فتسمّمت هي وعائلتها، وتشير إلى أن الملحمة تقوم بفرم اللحمة مسبقًا، ثم تدقها أمام الزبون بحجّة أنهم يقومون بتثليجها.

هذا غيض من فيض ما يحصل في الملاحم، التي تبيع اللحوم، وتحديدًا المثلّجة المفرومة. وتقول مصادر متابعة إن «الغش في اللحم يأتي من اللحم المفروم، فالمثلّج يُذاب الثلج عنه ثم يُفرم ويُباع إمّا مفرومًا أو ستيكًا وغيرهما، وكثير من المطاعم تعتمده لأن سعره أرخص ويعود بالربح عليها».

يُباع كيلو اللحم المثلّج بسعر 7 دولارات، ويُحقق من ورائه أصحاب الملاحم أرباحًا طائلة، كما المطاعم، حيث يصل داخلها سعر الكيلو إلى 20 دولارًا، طالما لا توجد رقابة.

يكشف مصدر أمني متابع أن «مايسترو» اللحم المثلّج في لبنان «سوريّ الجنسية»، ومدعوم أمنيًا وسياسيًا، وتُشرَّع له الأبواب لإغراق السوق باللحم المثلّج، الذي يُحدَّد الكيلو منه بدولار واحد ويُباع في السوق بـ 7 دولارات، وفي المطاعم يصل إلى 20 دولارًا، ما يدرّ عليها أرباحًا طائلة.

ليس المثلّج وحده من يقتحم سوق اللحم اللبنانية، بل أيضًا اللحم غير المستوفي الشروط، والبقر المريض الذي يُذبح قبل موته بما يحمله من مخاطر. وبحسب الطبيب البيطري وسام قبيسي، «يباع البقر المريض عادة بسعر زهيد، ويشتريه لحّامون في الأحياء الفقيرة كالمخيّمات وغيرها، وهو خطر لأن هذا البقر يكون قد أُدخل إلى جسده كثير من الأدوية والمضادات التي تترك مفاعيلها على جسم الإنسان، بحيث تُضعف مناعته».

أهلًا بكم في جمهورية مافيا اللحوم، والأنكى أن هؤلاء يتحكّمون في السوق اليوم، خاصة في ظلّ ارتفاع أسعار المواشي عالميًا، ما يعني أن اللحم المثلّج سيكون الحاضر الأبرز، ومعه «يا عروضات بالمطاعم والملاحم، أهلًا بك!»، فأين الرقابة على ما يحصل؟

وفق المصادر، فإن الرقابة من قبل وزارة الصحة عادة ما تكون شكلية، ولم يُسجَّل أي فحص عملي لهذه اللحوم، عدا إقفال مسلخ بالشمع الأحمر في بلدة جويا بسبب عدم استيفائه معايير السلامة. وعدا ذلك، يبقى اللحم المثلّج الذي يُباع كـ «طازج» سيّد المشهد.

الرقابة إذًا هي الغائب الأكبر، ليس فقط في ملف اللحوم بل أيضًا في ملف الخضار والمطاعم، ومولّدات الكهرباء ومحطات المحروقات. كثير من الناس بدأوا يشكون من نوعية المحروقات التي تغرق السوق، ولماذا تتبخر بسرعة، ولماذا لا تتمّ مراقبتها أو فحص تلك المحروقات؟

تكشف مصادر متابعة أن «المراقب الذي يكيل صهاريج المحروقات عند مصفاة الزهراني يتقاضى مبلغ 50 دولارًا، وللرئيس 100 دولار لتوقيع ورقة الكيل، تحت عنوان الإكرامية». وهنا تسأل المصادر: «لقاء ماذا يتقاضى المراقب والرئيس هذا المبلغ؟ هل الكيل غير مضبوط أم أن البنزين والمازوت مغشوشان؟». وتضيف: «هذه اللارقابة هي التي جعلت السوق فلتانة، وكل محطة تعمل دون رقابة».

وينسحب الأمر على مافيات مولّدات الكهرباء، إذ لم يُسجَّل في منطقة النبطية أي مخالفة لهؤلاء، علمًا أن شكاوى الناس من الفواتير المرتفعة تقض مضاجعهم. وتكشف مصادر متابعة أن «كل الشكاوى والاعتراضات على أرقام الفواتير لا تلقى آذانًا صاغية، ولا تدفع نحو تصحيحها، خاصة أن مراقبي الاقتصاد لا يتوجّهون نحو هؤلاء»، بل تشير المصادر إلى «أنهم مدعومون ويقدّمون إكراميات لهم، فيما يبقى المواطن الضحية».

كل شيء يدور في فلك الرقابة، وطالما هي مفقودة يصبح الغش مباحًا، ووحدها مناشدة الأهالي التشديد على الرقابة، كرمى لصحتهم، هي الأعلى.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق باريس ترى أن الظروف ملائمة لسير لبنان بعملية حصر السلاح
التالى سلام في الجنوب السبت: رسالة سياسيّة وإعادة إعمار