عصر ما بعد “الحزب” و “الإخوان المسلمين”؟

عصر ما بعد “الحزب” و “الإخوان المسلمين”؟
عصر ما بعد “الحزب” و “الإخوان المسلمين”؟

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

تشتد الضغوط الأميركية والدولية على ما يعرف بقوى الإسلام السياسي التقليدية، بشقيَها السني والشيعي، متمثلة في “حزب الله” و”الإخوان المسلمين”، وبالتحديد “حركة حماس” وما تجسده من منظومة وارتباطات وتحالفات، وكذلك الفرع الإخواني في لبنان، أي “الجماعة الإسلامية”، والفرع الإخواني في الأردن. هذه الضغوط بتدرجها ونمطها المتناسق في الشدة تمسي وكأنها تمهد لدخول المنطقة عصر ما بعد الإسلام السياسي التقليدي.

والحال إن جناحي هذه القوى، السني والشيعي، يواجهان حملات ملاحقة وتضييق في عدد لا يحصى من البلدان، كان بعضها في السابق يعد بمثابة حواضن لهما في ما سلف. وهنا يبرز التحدي الوجودي الذي يستشعره “حزب الله” والتيارات الشيعية الراديكالية المرتبطة بـ “نظام آيات الله”، مثل بعض تنظيمات “الحشد الشعبي” في العراق، على عكس “الإخوان المسلمين”.

ومع ذلك، فإن الأمر ليس بهذه السهولة. صحيح أن جماعة “الإخوان المسلمين” بامتداداتها تواجه للمرة الأولى بعد قرن من تأسيسها محنة وجودية من هذا القبيل، بعدما كانت تخرج كادراتها القيادية والتنظيرية نحو ملاذات تمنحها الأمان وحرية الحركة حينما تتعرض لاضطهاد في هذا البلد أو ذاك في الحقبات الماضية، إلا أن التنظيم يمتلك مرونة وعمقًا بنيويين يجعلان هذه المسألة شديدة التعقيد.

وإذا كان من عناصر قوة “الإخوان المسلمين” عدم تبنيها هوية فقهية حاسمة لإفساح المجال أمام استقطاب التيارات الدينية، زد عليها ثقافة الأذرع والأجنحة الداخلية المتعارضة التي أرساها المؤسس حسن البنا لضمان استدامتها، فإن الخطاب السياسي – التعبوي يعد واحدًا من أبرز هذه العناصر لكونه يمزج بين القضية الفلسطينية والعقيدة الدينية والمعارضة التقليدية لمؤسسات الحكم في الكيانات الوطنية ولا سيما المؤسسة الدينية، ويتسم بقدرة هائلة على التأثير في الوعي الجمعي الجماهيري الكلي.

يضاف إليه عنصر قوة آخر يشترك فيه الجناحان الإسلاميان السني والشيعي، وهو العمل الاجتماعي والتربوي المتراكم عبر مؤسسات وجمعيات تستفيد منها شرائح اجتماعية من خارج القواعد التنظيمية. وبالتالي ثمة تحديات هائلة تقف أمام نجاع سياسات تفكيك هذه القوى، ولا سيما في لبنان الذي يسود في منتدياته السياسية قول راسخ بأنه ليس ثمة جثث سياسية في هذا البلد.

بيد أن المطلوب قد لا يكون الإنهاء الكلي، بل الإضعاف وتفكيك عناصر القوة والحضور كما حصل مع تنظيمات سياسية أيديولوجية في الماضي القريب. ومع ذلك فإن الفراغ الذي يتركه جناحا الإسلام السياسي التقليدي بحاجة لمن يملأه. وهنا يبرز النموذج الذي يجسده الرئيس السوري أحمد الشرع كحالة إسلامية يتصاعد نجمها ويترسخ أكثر، تنتمي إلى مدرسة دينية تعد من أفرع المدرسة السلفية، تشكل النقيض الطبيعي لـ “الإخوان المسلمين” وللمدرسة الولائية الشيعية.

لذلك تظهر انتعاشة ملحوظة لهذا التيار الفكري في لبنان تتمثل في إنتاج أرضية ناشئة تنمو في حواضن اجتماعية مضطربة، وتعمل على رفع الصوت إزاء ظواهر دينية معينة لإثبات الحضور واستقطاب الكتلة الجماهيرية المحافظة. غير أن المعضلة التي يجبهها هي أنه ليس جسدًا تنظيميًا متينًا، بل يشتمل على حالات وجماعات عديدة ومتنافسة في ما بينها، حتى ضمن الحيز الجغرافي نفسه، فضلًا عما تتسم به تقليديًا من ارتباطات معقدة ومتداخلة تفسح المجال أمام الاستثمار فيها من بعض الجهات السياسية والاستخباراتية، المحلية والإقليمية.

هذا الواقع يتيح لـ “جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية” المعروفة بـ “الأحباش” القدرة على التمدد أكثر، سياسيًا وشعبيًا، لتماسكها التنظيمي، وخطابها التصالحي مع السلطة والقوى الإقليمية الفاعلة في المنطقة، وقدرتها على تقديم نفسها كـ “وسيط” مقبول بين الدولة والمجتمع بطموحات محدودة بعيدة من العمل المسلح والانقلابات الجذرية. إلا أن هذه القدرة تبقى مقيدة بعوامل أيديولوجية واجتماعية مؤثرة، قد تشكل في الوقت ذاته عاملًا محفزًا لتوحّد الحالات التي تنتمي إلى المدرسة الفكرية السلفية إزاءها.

لا يعني ذلك انعدام الأرضية لإنتاج بديل جدي وصلب يملأ فراغ قوى الإسلام السياسي التقليدي، حيث ثمة تيارات ذات طابع مدني حداثي نشأت في السنوات الأخيرة على وقع تأثير انتشار ثيمة التنظيمات المرنة عالميًا، ونجحت في تثبيت حضور لا بأس به اجتماعيًا وسياسيًا. إلا أنها بحاجة إلى المزيد من الوقت لمراكمة التجارب وتعزيز الحضور، ولا سيما أنها تتسم بخطاب قادر على مخاطبة هواجس القواعد المحافظة، وبمرونة تعينها على الانفتاح واستقطاب تيارات فكرية واجتماعية ليبرالية ويسارية تتشارك معها الأهداف الأساسية والأولويات الراهنة.

وعليه، فإن دفع لبنان والمنطقة نحو عصر ما بعد قوى الإسلام السياسي التقليدية يحتاج استراتيجية ضغوط طويلة الأمد تشتمل على سياسات وأدوات متعددة في مواجهة تنظيمات تحمي وجودها بالقدرة على المناورة عبر أطر رديفة، وبقنوات مالية غير تقليدية، وبمؤسسات تشكل حاجة مجتمعية لا يوجد بديل عنها، على الأقل راهنًا، حيث ليس لدى الدولة القدرة على إنتاج بدائل صحية وتعليمية لها، كما لا يوجد نظير لها لدى المنافسين الجدد من حالات فردية أو تيارات حداثية.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق هل تفتح الحركة الدولية باب تمديد البرلمان؟
التالى بيروت تستعد لتوقيع اتفاقية مع دمشق للإفراج عن 300 سجين