اغتيالات تكشف غرفة العمليات العسكرية الإيرانية في لبنان

اغتيالات تكشف غرفة العمليات العسكرية الإيرانية في لبنان
اغتيالات تكشف غرفة العمليات العسكرية الإيرانية في لبنان

كتب طارق أبو زينب في “نداء الوطن”:

في لحظة إقليميّة شديدة التعقيد، لم تعد الجبهة الجنوبية للبنان تُدار بمنطق الإسناد المحدود أو وفق قواعد اشتباك تقليدية. ما يجري يتجاوز الدعم السياسي أو المساندة العسكرية إلى مرحلة مختلفة عنوانها غرفة عمليات عابرة للحدود، تُدار من داخل الأراضي اللبنانية بإشراف ضباط إيرانيين إلى جانب قيادات في “حزب اللّه”.

هذا التحوّل لا يعكس تصعيدًا عسكريًا فحسب، بل نقلة نوعيّة في بنية القرار، تنقل لبنان إلى منصة إدارة عسكرية إقليمية مفتوحة على احتمالات واسعة، تتجاوز الحسابات المحلية الضيقة.

من التنسيق إلى القيادة الميدانية

وكشفت مصادر مطّلعة لـ “نداء الوطن” عن تطوّر لافت في آلية إدارة العمليات المنطلقة من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل. ووفق هذه المعطيات، انتقل التعاون بين “حزب اللّه” والحرس الثوري الإيراني من مستوى التنسيق السياسي وتبادل المعلومات، إلى صيغة غرفة عمليات مشتركة ذات بعد إقليمي مباشر.

ولا يقتصر الأمر على توزيع أدوار لوجستية أو استشارية، بل يمتدّ إلى إدارة ميدانية متكاملة تشمل التخطيط العملياتي وتحديد الأهداف وضبط إيقاع التصعيد، بما يعكس مستوى متقدّمًا من الاندماج بين القرارين اللبناني والإيراني في الساحة الجنوبية.

ضبّاط إيرانيون في قلب المعركة

وتشير المعلومات إلى أن ضباطًا من الحرس الثوري، ولا سيّما من “فيلق القدس”، يتولّون أدوارًا محورية في إدارة المعركة بالتنسيق المباشر مع قيادات “حزب اللّه”. يتجاوز دورهم المشورة التقنية إلى المشاركة الفعلية في غرف العمليات المشتركة، والمساهمة في التخطيط والتنسيق بين الوحدات المختلفة.

يحوّل هذا الواقع الساحة اللبنانية إلى جزء من منظومة قيادة إقليمية مترابطة، تتداخل فيها مستويات القرار بين المحلي والخارجي، وتصبح فيها الجبهة الجنوبية حلقة ضمن شبكة عمليات أوسع تمتدّ خارج الحدود اللبنانية.

غرفة عمليات واحدة

وتؤكد المصادر أن غرفة العمليات لا تقتصر على كوادر “حزب اللّه”، بل تضمّ قيادات من الحرس الثوري ضمن ما يُعرف بمحور التنسيق العسكري، ما يعزز تكامل القرار ويرفع مستوى الجهوزية العملياتية.

يعكس هذا التشكيل درجة غير مسبوقة من الارتباط المباشر بالقيادة الإيرانية، ويكرّس واقعًا مفاده أن الجبهة الجنوبية لم تعد جبهة تُدار بقرار لبناني صرف، بل باتت جزءًا من معادلة إقليمية متشابكة.

اغتيال رضا خزاعي

في هذا السياق، شكّل اغتيال الجنرال الإيراني رضا خزاعي في الضاحية الجنوبية لبيروت، إلى جانب استهداف دبلوماسي إيراني مقرّب من دوائر القرار في الحرس الثوري داخل فندق في الحازمية، محطة مفصلية في مسار التصعيد.

وبحسب المعطيات، كان خزاعي يتولّى ملف التعاظم العسكري لـ “حزب اللّه” بتكليف من “فيلق القدس”، ويشغل موقعًا قياديًا ضمن ما يُعرف بـ “فيلق لبنان”. وترى مصادر مطلعة أن استهدافه يندرج في إطار ضرب حلقة الوصل بين طهران وغرفة العمليات الميدانية في لبنان، في مؤشر على انتقال المواجهة من استهداف البنى العسكرية إلى استهداف العقول المشرفة على إدارتها.

أبعاد استراتيجية تتجاوز التكتيك

ولفتت مصادر سيادية لبنانية إلى أن استهداف شخصيات بهذا المستوى لا يمكن اعتباره تطوّرًا تكتيكيًا محدودًا، بل يحمل دلالات استراتيجية واضحة. فالمواجهة، وفق هذه القراءة، لم تعد تقتصر على منصات إطلاق أو مخازن سلاح، بل طالت القيادات المشرفة على التخطيط والإدارة، ما يعني أن إسرائيل تتعامل مع الوجود الإيراني في لبنان بوصفه دورًا عملياتيًا مباشرًا، لا مجرّد دعم خلفي.

تساؤلات سيادية ملحّة

داخليًا، تفتح هذه التطوّرات باب تساؤلات عميقة حول طبيعة القرار العسكري المتخذ من الأراضي اللبنانية، وحدود الدور الإيراني في إدارة معركة تتجاوز الإطار التقليدي للاشتباك.

وتشير المعطيات المتقاطعة إلى أن الجبهة لم تعد محكومة بقرار “حزب اللّه” وحده، بل أصبحت جزءًا من شبكة عمليات إقليمية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، وتُوظف فيها الساحة اللبنانية ضمن معادلة ردع أوسع.

وفي ظلّ إدارة المعركة من داخل لبنان بمشاركة ضباط إيرانيين، يصبح القرار الميداني مرتبطًا بإيقاع إقليمي يتجاوز أولويات الداخل، ما يعرّض البلاد لتداعيات قرارات قد لا تنبع بالكامل من حساباتها الوطنية المباشرة.

إعادة رسم معادلة القرار العسكري

يرى مراقبون أن استهداف قيادات إيرانية على الأراضي اللبنانية يضع لبنان في صلب المواجهة بين إيران وإسرائيل، بما يحمله ذلك من مخاطر انزلاق نحو مواجهة أشمل. فعندما تتحوّل الضاحية الجنوبية والحازمية إلى ساحتي استهداف لقادة في “فيلق القدس”، فإن الرسالة تتجاوز الإطار اللبناني إلى طهران نفسها.

وعليه، لم يعد المشهد مجرّد تصعيد حدوديّ أو جولة عنف عابرة، بل أصبح إعادة رسم لمعادلة القرار العسكري في لبنان، وتكريسًا لواقع تصبح فيه الجبهة الجنوبية جزءًا من هندسة إقليمية للصراع.

مرحلة قد لا تقتصر نتائجها على جولة تصعيد، بل ترسم مسار لبنان السياسي والأمني لسنوات طويلة .

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق سيناريو الإطباق الكبير على “الحزب” ومعه لبنان
التالى غارات تستهدف مناطق في الجنوب والبقاع