كتب عيسى يحيى في “نداء الوطن”:
منذ اندلاع الحرب لم يعد الخوف في لبنان حدثًا استثنائيًا، بل تحوّل إلى حالة يومية تتسلل إلى تفاصيل حياة الناس، وتعيد تشكيل سلوكهم وقراراتهم. وبين صوت الطائرات في السماء، والتحليلات السياسية على الشاشات، برز عامل جديد أكثر خطورة في تأثيره النفسي: الاتصالات الهاتفية التي تحمل تهديدًا بالإخلاء، سواء كانت حقيقية أو وهمية.
منذ بداية حرب إسناد 2024 اعتاد اللبنانيون لا سيما في الجنوب والضاحية والبقاع، على متابعة بيانات أفيخاي أدرعي المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، والتعامل معها بجدية بالغة. فكل تحذير أو إنذار يصدر عنه، سواء عبر وسائل الإعلام أو منصات التواصل، كان كفيلًا بإخلاء أحياء كاملة خلال دقائق، ومع تكرار هذه المشاهد ترسّخ لدى الناس نمط سلوك واضح: الإنذار يعني الرحيل ولو موقتاً، تجنبًا للموت.
هذا النمط انسحب أيضًا على البقاع، حيث صدرت إنذارات بإخلاء بلدات عدة ليلة إطلاق الصواريخ الستة، ما وضع سكانها أمام خيارين أحلاهما مرّ: النزوح وترك المنازل، أو البقاء تحت خطر الاستهداف. بعض العائلات غادر بالفعل، بينما اختار آخرون البقاء لارتباطهم بأرضهم ومنازلهم، ولعجزهم عن تحمّل تبعات النزوح.
غير أن التطور الأخطر في الأيام الأخيرة تمثل بظهور موجة من الاتصالات الهاتفية المجهولة، القادمة من أرقام أجنبية، يعرّف خلالها المتصل عن نفسه بأنه من الجيش الإسرائيلي، ويطلب من السكان إخلاء مناطقهم فورًا والابتعاد لمسافة لا تقل عن كيلومتر. هذه الاتصالات لم تقتصر على مناطق مشمولة بالتحذيرات الرسمية، بل طالت أحياء وبلدات لم يرد ذكرها في أي بيان، مثل دورس عند مدخل بعلبك، حي الشراونة، حي الشعب، وصولاًًا إلى بلدة النبي عثمان.
خطورة هذه الاتصالات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها وسياقها، فهي تأتي في بيئة مشحونة أصلًا بالخوف، ما يجعلها كفيلة بإحداث حالة هلع جماعي خلال دقائق. كثيرون خرجوا من منازلهم على عجل، تاركين خلفهم كل شيء، قبل أن يتبيّن لاحقًا أن الإنذار غير حقيقي، وأنه لم يصدر أي تحذير رسمي ولم تُستهدف تلك المناطق.
المفارقة أن من يتلقى الاتصال لا يملك ترف التحقق الهادئ، فهو يسارع للتواصل مع الأجهزة الأمنية، التي تجد نفسها بدورها أمام معضلة: لا يمكنها الجزم فورًا بصحة الاتصال أو نفيه، فتتجه إلى الخيار الأكثر أمانًا، أي الطلب من المواطنين توخي الحذر والإخلاء الموقت. وهنا تتضاعف الأزمة، إذ يتحول الشك إلى واقع، والخوف إلى حركة نزوح فعلية، حتى في غياب تهديد مؤكد.
والمشكلة الأعمق أن الدولة بأجهزتها المختلفة، لا تبدو قادرة حتى الآن على ضبط هذه الظاهرة أو تقديم آلية واضحة وسريعة للتحقق من صحة هذه الاتصالات. وبين عجز رسمي وضغط نفسي متصاعد، يعيش الناس حالة من الترقب الدائم، حيث يكفي رنين هاتف ليقلب يومهم رأسًا على عقب.
في المحصلة، لم يعد السؤال فقط عن مصدر هذه الاتصالات، بل عن قدرة المجتمع والدولة معًا على التعامل مع هذا النوع من الحروب غير التقليدية. فحين يصبح الخوف أداة يومية، والارتباك نتيجة تلقائية لأي اتصال مجهول، نكون أمام معركة من نوع آخر: معركة على وعي الناس وثقتهم قبل أن تكون على الأرض.




