أخبار عاجلة
الحزب يستهدف مواقع للجيش الاسرائيلي -
إيران ترفض تقييد برنامجها الصاروخي -
أوّل أهداف “الحزب” بعد الحرب! -
تحذير من التراجع عن طرد السفير الإيراني -
حين يغادر الأجانب تاركين قلوبهم في بيروت -

حين يغادر الأجانب تاركين قلوبهم في بيروت

حين يغادر الأجانب تاركين قلوبهم في بيروت
حين يغادر الأجانب تاركين قلوبهم في بيروت

كتبت زيزي إسطفان في “نداء الوطن”:

في وقت يقف لبنان فيه على مفترق طرق خطير وتعلو أصوات آلات الموت والدمار، تلقى مئات الأجانب المقيمين في بيروت رسائل واضحة من سفاراتهم تدعوهم إلى المغادرة الفورية. بعضهم تردّد وحاول تأجيل القرار رغم وضوح الإنذارات: غادروا قبل فوات الأوان. لكن مع تصاعد وتيرة التوتر غادر معظمهم على عجل. ودّعوا مدينة أحبوها ولم يشعروا فيها بالغربة، تجاوزوا كل ما يعانيه لبنان من أزمات وانكسارات وتحولت إقامتهم الموقتة فيه تعلقًا وحبًا ودفئًا إنسانيًا، لذا لم يكن الرحيل سهلاً. غادروا تاركين قلوبهم في بيروت.

مفارقة صعبة الفهم: أجانب يغادرون بلدًا يتمسكون به وبأهله رغم قسوة الحياة فيه، ولبنانيون يحلمون بالهروب من بلد أنهكتهم أزماته المتكررة وطحنت عزيمتهم. أجانب اختبروا الرفاهية والنظام والأمن والاستقرار في بلدانهم واختاروا العيش في بلد على نقيض ما عرفوه. لبنانيون يحلمون بالهجرة إلى تلك البلدان وينتظرون لحظة تحقيق حلمهم للفرار من لهيب أحرقهم حتى الرماد. اليوم الأجانب مثلهم مثل اللبنانيين الصامدين يتابعون أخبار بيروت بقلق يحدوهم أمل العودة والحنين إلى مدينة وبلد يشعرون فيه بالانتماء ولم تكن الفوارق في مستوى العيش والعودة إلى الأمان كافية لتخفف وطأة الفراق.

كثيرة ومؤثرة قصص الأجانب الذين تركوا بيروت. بعضهم لم يجد حرجًا في ذكر اسمه ووظيفته وبعضهم اختار أن يصف مشاعره بعيدًا عن الأسماء والوظائف.

أنتمي إليها منذ الأزل

أنتونينا ألبانيزي، شابة إيطالية باحثة في علم اجتماع الهجرة بين إيطاليا وفرنسا، ومسؤولة عن الشراكات في منظمة إيطالية غير حكومية تعمل في حوض البحر الأبيض المتوسط.

“تحتلّ بيروت مكانة فريدة في مسيرتي الإنسانية ويمكنني القول بسهولة إنها مفترق طرق في حياتي الراشدة”، تقول أنطونيا أو نيني كما نعرفها. أضافت: “عشتُ فيها عام 2019، خلال “الثورة”. وشعرتُ عن قرب بقوة هؤلاء الشباب الذين كانوا يعيدون ابتكار المفاهيم السياسية، ويستعيدون الفضاء العام بطاقةٍ تجمع بين اللين والثبات في آنٍ. غادرتُ بيروت في عام 2020، قبل انفجار المرفأ بقليل، وتعلّمتُ كيف أحمل حزنًا في قلبي. ومنذ ذلك الحين، عدتُ إليها كلما سنحت لي الفرصة. في شوارعها المضيئة، أستطيع أن أهدئ أفكاري، أن أكتب قصائدي، وأن أعيش بعمقٍ وحميمية مع نفسي ضمن مجتمع تزنره المودّة يتسع مع كل رحلة. ما إن أهبط فيها، حتى يتحوّل ذاك الإحساس بالوحدة إلى متعة اكتشافٍ جديد”.

وتابعت أنطونيا: “لكن المدينة التي أحبها أحملها أيضًا كجرح. الرحيل تحت القصف، قبل نحو عشرة أيام، هو ألم لا أعرف أية تسمية أضع له: أن أواجه امتياز جواز سفري الأوروبي، الذي يتيح لي الهروب من الحروب، فيما أترك خلفي الشوارع والوجوه التي أحبّها، تحت رحمة قوة خارجية لا مشروع لها سوى الدمار الكامل. أن أنظر إلى الكورنيش في الروشة، فأرى أناسًا ينامون بلا مأوى، وأطفالاً ببيجامات شتوية وأحذية ثلج، رغم سنهم الصغيرة اعتادوا الهروب من منازلهم في قلب الليل. كرامة عالية لأناس تُركوا وحدهم، وتضامن ينبثق من الأسفل من القاعدة، خارج السياسة، وخارج الحسابات الدولية لبشر يساعدون بشرًا. إنه هذا التوتر بين التعلّق العميق والقسوة، ما يواصل تغذية حبّي لهذه المدينة. كأنني أنتمي إليها منذ الأزل”.

تستطلع نيني أخبار بيروت دقيقة بدقيقة وكأنها ما زالت عالقة على تلك الشرفة في أطراف الأشرفية. لم تكتف بالدمع والأسف، بل سارعت إلى وضع آلية لجمع التبرعات المالية في جنوب إيطاليا ترسلها إلى لبنان لمساعدة النازحين لتكون البحصة التي تسند خابية.

جسمي هنا وقلبي هناك

سارة شابة ألمانية عرفت بيروت بشكل عابر في العام 2018، لكنها عاشت مع أهلها في الحرب الماضية عام 2024. جاءت كعاملة إنسانية في منظمة غير حكومية، ومن حينها عشقت المدينة التي كانت تمر بأسوأ وأقسى أيامها. جعلها الحب أكثر تعلقًا بلبنان الذي وجدت فيه ما لم تجده في بلدها الأم ألمانيا: “أنا بجسمي وجنسيتي خارج لبنان، لكن في قلبي وفكري أنا موجودة مع أصدقائي وزملائي وأهل من أحبّ وكل من عرفتهم في بيروت. أقلق عليهم واتابع عبر مجموعات الواتساب التي تجمعنا كما عبر وسائل التواصل ونشرات الأخبار كل ما يجري وحين تشتد الضربات تصبح المتابعة لحظة بلحظة. لبنان يختلف كثيرًا عن ألمانيا المستقرة المنظمة لكن أحلى ما فيه ناسه. الحياة الاجتماعية هنا مع الأصحاب والمقربين تعطينا دفئًا لا نجده في ألمانيا. وحين زارتني أمي وتعرفت إلى أصحابي قالت لي: أفهم الآن لماذا تحبين البلد إلى هذا الحد. الطبيعة، الطقس، شبكة العلاقات الاجتماعية كلها مقومات تجعلني أشعر بالانتماء وأشعر بالحزن والغضب لما يحل بهذا البلد وما يساق إليه رغمًا عنه. ربما أنا محظوطة بجواز سفري الألماني وأموالي الموجودة في مصرف الماني آمن وهي مزايا لا يملكها اللبنانيون، لكنني حزينة لكوني مضطرة إلى الابتعاد عن بلد أشعر أن جذوري آخذة في الامتداد عميقاً في تربته”.

تنتظر سارة أن يستعيد لبنان استقراره لتعود إليه وتستعيد جزءًا من ذاكرة تركتها فيه.

صار جزءًا مني

نانيت صحافية سويسرية وجدت في لبنان ملجأ لحياتها المبعثرة، فيه وجدت استقرارًا وهدوءًا وسط بحر من عدم اليقين الشخصي. استقرت مع طفلتها الصغيرة في بيروت وبنت لنفسها حياة في مدينة لم تعرف الاستقرار يومًا. لم تشأ نانيت مغادرة لبنان عند بدء الحرب رغم توسلات والديها في سويسرا لترك ما يرونه جحيمًا، لكنها أصرت على الانتظار حتى حصولها وابنتها على الإقامة اللبنانية التي تقدمت للحصول عليها منذ أسابيع. رغم الخوف والقلق من إقفال المطار وبدء الاستهدافات في بيروت ورغم أصوات الانفجارات المدوية التي لا تفهم صغيرتها أسبابها وإقفال أبواب مدرستها صمدت نانيت في بيروت، وحين حصلت أخيرًا على الإقامتين كان لا بد من المغادرة. وقالت: “لم يكن ترك البيت والمدرسة والرفاق وحياتنا في بيروت سهلاً لا بالنسبة إلي ولا لابنتي وكان الوصول إلى المطار يشكل مصدر قلق كبير لي، لكنني رغم الرحيل مطمئنة أنني قادرة على العودة حين أشاء بعد حصولي على إقامة. همي تأمين ابنتي في مكان آمن لكن بالنسبة إليّ لن استطيع البقاء طويلاً بعيدة عن مركز الأحداث. فما يجري في لبنان أكبر وأهم من أن تراقبه صحافية من بعيد. لكن الأمر لا يتوقف على عملي كصحافية تنقل الأحداث وتراقبها وتحللها، بل على كوني امرأة أحبت هذا البلد كما أحبت سوريا وبنت فيها حياة محاطة بشبكة إنسانية متماسكة ودافئة بدءًا من الجيران الذين احتضنوا ابنتي وساعدونا في كل تفاصيل حياتنا اليومية إلى الأصدقاء والأصحاب الذين باتوا يشكلون شبكة الأمان لنا وصولًا إلى الناس ودفئهم واهتمامهم. لا شك أن لبنان أبعد ما يكون عن سويسرا بطرقاته ومواصلاته ونظامه وفساده والفوضى التي فيه، لكنني اعتدت على كل تفاصيله حتى أنني بت أحب قيادة السيارة في طرقاته الفوضوية”. تتابع نانيت اليوم من برن في سويسرا ساعة بساعة التطورات في لبنان، كما تتابع ابنتها الدروس أونلاين من هناك، وتنتظر أن تنجز بعض المهمات الضرورية هناك لتسارع في العودة، فهي لايمكن أن تكون بعيدة عن أرض صارت جزءًا منها مهنيًا و إنسانيًا.

يوهان، استيبان، روي، أيللي وغيرهم كلهم أجانب عرفوا بيروت من خلالإقامة سابقة أو زيارات سريعة، لكل منهم أسبابه في قضاء وقت في لبنان: عائلية، مهنية، سياحية، دراسية لكن ما يجمعهم هو تعلقهم بلبنان ورغبتهم في إتقان لغته. مع بدء الحرب ورغم وجودهم بعيدًا عنه، كل في بلده آمنًا ومستقرًا وبعيدًا من المخاطر، يجمعهم قلق واحد وخوف على البلد الذي أحبوه وعلى ناسه. يتسمرون أمام شاشات الأخبار هم الذين لا يهتمون كثيرًا بالأخبار في الأيام العادية ولا تعني لهم كثيرًا، على خلاف ما هي الحال عندنا، باتت صفحاتهم على مواقع التواصل ملأى بالمواقع والمنصات التي تنقل أخبار لبنان. أحيانًا يتصلون ليلًا أو يرسلون رسائل واتساب سريعة حين يسمعون أن مبنى انهار في بيروت يطمئنون إلى أننا بخير. وأحيانًا ينقلون لنا أخبارًا وخفايا لم يتطرق إليها إعلامنا في لبنان. كان معظمهم يخطط لعطلة صيفية في لبنان ينتظرها بفارغ الصبر. اليوم، عبثت الحرب بخططهم وأودعتها  أدراج الرياح رياح الحرب واللاستقرار والفوضى التي تنتظر لبنان بعد سكوت صوت المدافع.

لا يزال بعض الغربيين صامدين في بيروت لا سيما الملتزمين منهم بمهمة تبشيرية أو إنسانية. فهؤلاء، إيمانهم أقوى من الحروب لا بل ينمو ويزداد في الظروف الأشد قسوة. ويبذل قساوسة من هولندا أو ألمانيا وعاملون إنسانيون من السويد والدانمارك الجهود في لبنان من أجل الإنسان دون النظر إلى “بيئته” ضمن مؤسسات دينية ومنظمات إنسانية. ولم يرحل بعض الغربيين لارتباطات عائلية، فكيف تترك سيدة طليانية زوجها اللبناني في جحيم الحرب وتغادر إلى بلدها الأم؟

هم رحلوا تاركين قلوبًا تدمي على بيروت فيما الإيرانيون باقون حاملين أسلحتهم لجعل قلوب اللبنانيين تدمي على وطن يكاد يضيع…

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق ما جديد قضية علي برو؟
التالى إسرائيل تبلغ واشنطن وباريس عدم ممانعتها دعم الجيش اللبناني