الراعي في جزين… حيث ذاكرة الصمود والدور

الراعي في جزين… حيث ذاكرة الصمود والدور
الراعي في جزين… حيث ذاكرة الصمود والدور

كتب كبريال مراد في “نداء الوطن”:

في محطات مفصلية من تاريخ لبنان الحديث، لم تكن جزين مجرّد بلدة جنوبية عادية، بل تحوّلت إلى عنوان يتجاوز جغرافيتها الضيّقة. خلال سنوات الوجود الإسرائيلي في الجنوب حتى نهاية التسعينات، لعبت جزين دورًا مركّبًا، تداخل فيه الأمني بالسياسي، والوجودي بالرمزي، حتى باتت، بالنسبة إلى كثيرين، نقطة ارتكاز في معادلة البقاء المسيحي في تلك المنطقة.

من هذه الزاوية، يُنظر إلى زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، الجمعة، إلى “عروس الشلال”، جارة “شرق صيدا” والزهراني، والقضاء الذي يضم مليخ والريحان ومناطق أخرى ترزح تحت الغارات الإسرائيلية. وهي زيارة لا يمكن فصلها عن حضور الكنيسة إلى جانب أهلها وشعبها في المناطق الحدودية، في رسالة صمود وتعاضد.

وستكون المحطة الأولى في بلدة القريّة، وتتخللها زيارة الكنيسة ولقاء الأهالي. أما المحطة الثانية فستكون لإطلاق مشروع المزارعين في كفرفالوس. على أن تُخصَّص المحطة الثالثة للقاء الآباء والنازحين في دير القطين للرهبنة الأنطونية، قبل الانتقال للاحتفال بالقداس في كنيسة مار مارون في مدينة جزين، ولقاء الأهالي في صالون الكنيسة. على أن تُختتم الزيارة بتبريك المركز الجديد لإقليم كاريتاس جزين، وزيارة مستشفى جزين الحكومي.

وسترافق البطريرك وفود من المؤسسات العاملة مع البطريركية، من بينها وفد من الرابطة المارونية يضم رئيسها المهندس مارون الحلو، والأمين العام المحامي بول يوسف كنعان، وأعضاء من المجلس التنفيذي، في زيارة تريدها البطريركية رسالة رجاء وثبات للحضور الكنسي في أرض الجنوب، وتأكيدًا للتمسّك بالأرض والإنسان، في مسيرة إيمان وصمود ورجاء.

في التسعينات، لم يكن حضور جزين في تلك المرحلة تفصيلًا عابرًا. ففي ظلّ تبدّل موازين القوى وتراجع حضور الدولة، شكّلت البلدة نوعًا من “خط تماس” سياسي ومعنوي، حافظ على استمرارية الوجود المسيحي في جنوب كان يشهد تحوّلات ديموغرافية وأمنية عميقة. ومن هذا المنطلق، اكتسبت جزين بُعدًا يتجاوز حدودها، لتصبح رمزًا للثبات أكثر مما هي مجرّد موقع جغرافي.

لكن هذا الدور لم يكن معزولًا عن محيطه. فجزين، بحكم موقعها، هي جارة طبيعية لكل من البقاع والشوف، ما جعلها نقطة تلاقٍ بين أكثر من واقع سياسي واجتماعي. هذا التداخل منحها خصوصية إضافية: فهي ليست فقط “جنوبية” بالمعنى الجغرافي، بل أيضًا حلقة وصل بين بيئات لبنانية مختلفة، بكل ما تحمله من حساسيات وتوازنات.

في هذا السياق، يمكن قراءة دور جزين على مستويين: الأول داخلي يتصل بالحفاظ على نسيجها الاجتماعي ومنع تفكّكه رغم الضغوط؛ والثاني وطني يتعلّق بإبقاء فكرة التنوّع قائمة في منطقة كانت مهدّدة بالانغلاق. ومن هنا، لم يكن دورها عسكرًا بحتًا، بل سياسيًا معنويًا، يعكس تمسّك شريحة من اللبنانيين بخيار البقاء في أرضهم مهما تبدّلت الظروف.

اليوم، وبعد سنوات على تلك المرحلة، يعود استحضار تجربة جزين من باب مختلف. لم يعد السؤال عن دورها في زمن الاحتلال فحسب، بل عن كيفية البناء على تلك التجربة في زمن الأزمات المتجددة. فكما شكّلت البلدة يومًا عنوانًا للثبات، يمكن أن تتحوّل مجددًا إلى نموذج لدور المناطق في حماية التوازن الوطني، بعيدًا من منطق العزلة أو التقوقع.

جزين، إذًا، ليست فقط ذاكرة مرحلة، بل تجسيد لدور. وهي، بين الجغرافيا والرمزية، وبين الماضي والحاضر، تبقى شاهدة على أن الصمود لا يُقاس فقط بالقدرة على المواجهة، بل أيضًا بالإصرار على البقاء، وعلى حفظ معنى العيش المشترك في أصعب الظروف.

تجدر الإشارة إلى أنه، وفي سياق رسالة الكنيسة لمواكبة النازحين من قراهم الجنوبية، يُختتم الأسبوع من بكركي بقداس ولقاء قبل ظهر الأحد، “تعبيرًا عن وحدة القلوب وتلاقي الرجاء”، كما جاء في البيان الصادر عن أمانة السر العامة في البطريركية المارونية.

المصدر: imlebanon

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق اشتباكات عنيفة داخل أحياء بنت جبيل
التالى إسرائيل: استهدفنا قائدًا بارزًا بـ”الحزب” وعنصرًا آخر في بيروت