كتب داود رمال في “نداء الوطن”:
دخل ملف الجنوب (جبل عامل) مرحلة مختلفة بعد تثبيت “صيغة الإطار” التي جرى التوافق عليها بوساطة أميركية، باعتبارها الآلية التنفيذية التي يُفترض أن تنقل الوضع من مرحلة الحرب والمواجهات إلى مرحلة الانسحاب الإسرائيلي الكامل، وإعادة تثبيت سلطة الدولة اللبنانية على كامل المناطق الحدودية. فهذه الصيغة لا تقوم على انسحاب مفاجئ أو جزئي، بل على تنفيذ متسلسل يبدأ بالمناطق النموذجية، بحيث تنسحب القوات الإسرائيلية تدريجيًا إلى خلف الحدود الدولية، بالتزامن مع انتشار الجيش اللبناني، وعودة الأهالي إلى بلداتهم، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، في مسار متكامل يعتبره المعنيون الضمانة الوحيدة لمنع العودة إلى دورة الحروب السابقة.
وفي موازاة هذا المسار، يبرز تحوّل واضح في الخطاب السياسي الداخلي، ولا سيما لدى فريق الممانعة. فمنذ انتهاء الحرب، تكاد تغيب بشكل كامل أي مقاربة جدية لملف إعادة الإعمار عن مواقف قيادات هذا الفريق، سواء على مستوى الأمين العام لـ”حزب الله” أو نوابه أو المنظّرين الذين يدورون في فلكه. فالخطابات التي تركّز على عناوين المواجهة والردع لم تترافق مع أي رؤية عملية لكيفية إعادة بناء عشرات البلدات المدمّرة أو تأمين التمويل اللازم لإعادة السكان إلى منازلهم، وكأن ملف الإعمار أصبح خارج أولويات الخطاب السياسي، رغم أنه يمثّل الهاجس الأول لأبناء الجنوب الذين فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم.
في المقابل، جعل رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون من إعادة الإعمار أولوية ثابتة منذ أكثر من سنة ونصف السنة، متنقلا بين العواصم العربية والغربية، ومستفيدًا من شبكة علاقاته وموقعه الدستوري للدفع نحو تأمين الدعم المالي والسياسي للبنان. إلا أن الرد الذي تلقّاه بقي ثابتًا في مختلف اللقاءات، ومفاده أن المجتمعين العربي والدولي مستعدّان للمشاركة في أكبر عملية إعادة إعمار، شرط أن تبسط الدولة اللبنانية سلطتها الكاملة عبر مؤسساتها الشرعية، وأن يُحصر السلاح بيدها على كامل الأراضي اللبنانية. ويستند هذا الموقف إلى قناعة تشكّلت لدى الدول المانحة بعد تجارب امتدت لعقود، إذ إنها ساهمت مرارًا في تمويل إعادة بناء ما دمّرته الحروب، قبل أن تعود المواجهات العسكرية فتهدم ما سبق تشييده، ولذلك فإن المرة الحالية يجب أن تكون الأخيرة ضمن رؤية تضمن الاستقرار الدائم.
وتؤكد الأوساط المواكبة أن “صيغة الإطار” تتضمن بندًا واضحًا وصريحًا يتعلق بإعادة الإعمار، وهو بند أُدرج نتيجة جهد رئاسي تبنّته الولايات المتحدة بصفتها الضامن الأساسي للاتفاق، بما يجعل واشنطن معنية مباشرة بمتابعة تنفيذ هذا الالتزام إلى جانب بقية البنود الأمنية والسياسية، باعتبار أن إعادة البناء جزء لا يتجزأ من تثبيت أي تسوية مستدامة.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن إعادة عشرات آلاف المواطنين إلى بلداتهم في ظل غياب إعادة الإعمار؟ فالمنازل المدمّرة لا تصبح صالحة للسكن بمجرد وقف إطلاق النار أو انسحاب القوات الإسرائيلية، بل تحتاج إلى تمويل ضخم وخطط تنفيذية معقّدة. وحتى الآن، لم يحصل لبنان على دولار واحد لبدء هذه الورشة، فيما تشير التقديرات الأولية إلى أن الكلفة المباشرة تتجاوز 25 مليار دولار، فضلا عن التعقيدات المرتبطة بآليات تحويل الأموال وإدارتها والرقابة عليها، وهي مسائل أصبحت أكثر تشدّدًا في ظل الظروف المالية والسياسية الراهنة.
وتزداد الصورة تعقيدًا مع الحديث عن نحو سبعين بلدة تعرّضت لدمار شبه كامل، بحيث اختفت فيها المعالم العمرانية والعقارية بصورة تجعل عملية إعادة البناء تسبقها ضرورة إعادة تحديد الملكيات والحدود العقارية، وهي عملية تقنية وقانونية قد تستغرق بين سنة وسنتين قبل الانطلاق الفعلي في مشاريع الإعمار. وهذا الواقع يفسّر سبب اعتبار “صيغة الإطار” أفضل الممكن في هذه المرحلة، لأنها لا تقتصر على معالجة الجانب الأمني، بل تربط بين الانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة حتى الحدود الدولية، وانتشار الجيش، وإطلاق الأسرى، وتثبيت وقف شامل لإطلاق النار، وعودة السكان، وإطلاق ورشة إعادة الإعمار، ضمن مسار واحد مترابط لا يمكن فصل عناصره بعضها عن بعض.
وفي هذا السياق، تكتسب الاجتماعات المرتقبة في روما أهمية استثنائية، إذ تشير المعطيات إلى أن جدول أعمالها سينحصر بهذه الملفات التنفيذية، من آليات الانسحاب الإسرائيلي إلى تثبيت انتشار الجيش اللبناني، مرورًا بملف الأسرى، ووصولا إلى وضع الأسس العملية لإطلاق إعادة الإعمار، باعتبار أن نجاح هذه العناصر مجتمعة هو وحده الكفيل بتحويل “صيغة الإطار” من اتفاق سياسي إلى واقع ميداني يؤسس لاستقرار طويل الأمد في الجنوب اللبناني.




