لبنان في نصف قرن: بين احتلال “أخوي” واحتلال عدائي

كتب د. أنطوان مسرّه في “نداء الوطن”:

موضوع الوساطة “الإطار” في 26/6/2026 في مجمل بنوده، ومع التكرار أكثر من 16 مرة، هو استعادة الدولة في لبنان ومعالجة “القوى المسلّحة خارج الدولة” تمهيدًا للجديّة في أي تفاوض. يتطلب “الإطار” من اللبنانيين نقدًا ذاتيًا شاملا لمغامرات تاريخية نابعة من ذهنية لبنانية ورواسب شيعية سياسية ورواسب مارونية سياسية.

كفى تمجيدًا للبنانيين في ما يتعلق بالثقافة، مع حصرها في الابداع والفنون والصمود والمقاومة الوطنية والانتشار العالمي. يفتقر كل هذا الابداع في الآداب والفنون والكفاءة العلمية إلى ثقافة الدولة ومثاقفة الدولة. إنه يفتقر إلى الشمولية في مفهوم الثقافة التي تشمل أيضًا القيم والسلوكيات والتقاليد والموروثات.

منذ اتفاقية القاهرة مع قوة فلسطينية مسلّحة في 3/11/1969 والتي ألغيت في المجلس النيابي في 21/5/1987، ثم اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 بين مقاومة فقدت صفتها الوطنية مع جبهة مارونية سياسية من الماضي تحوّل لبنان إلى ساحة، ثم ساحات. وطوال أكثر من نصف قرن فقد لبنان استقلاله وسيادته من خلال احتلال “أخوي” فلسطيني مسلّح، ثم مع توريط سوريا في المستنقع اللبناني واستقواء لبنانيين بنظام الأسد وتحوّل الدعم السوري أساسًا إلى احتلال “أخوي”! من السهل جدًا، في سبيل التبرير الذاتي، الادعاء أن لبنان في جوار عدائي وجوار عربي قيد التحوّل الديمقراطي وتغليف ذلك بتحليلات أخصائيين في العلاقات الدولية ومثقفين ببغائيين يكررون أن هذا الواقع هو قدر لبنان لأسباب جغرافية وجيوستراتيجية.

أحدثت العملية العسكرية الضخمة لاغتيال الرئيس الحريري وموكبه صدمة نفسية لبنانية عارمة: لبنان كبير في دوره ورسالته ولكننا صغار في لعبة الأمم! كان من المفترض بعد 14/2/2005 إقفال نهائي للبنان الساحة. كانت ثمرة هذا الحدث التاريخي الضخم توبة قومية عارمة لدى سنيّة سياسية من الماضي سعت إلى الاستقواء بالخارج.

لكن ذهنية الاستقواء بالخارج ظلّت راسخة في أذهان لبنانيين وهي نابعة من علم النفس التاريخي وعلم النفس السياسي العيادي. عادت هذه النفسية المرضية إلى البروز من خلال اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006. كان الهدف الاستقواء بالخارج للوصول إلى رئاسة دولة من دون دولة! وفّرت اتفاقية قاهرة متجددة في 6/2/2006 الانطباع أنه بالإمكان داخليًا السيطرة على لبنان. ووفرت أيضًا الإدراك لدى قوة إقليمية أنه يمكنها السيطرة على لبنان! لكن تستحيل السيطرة على لبنان، لا داخليًا ولا خارجيًا، بشهادة كل التاريخ الدبلوماسي.

جاء في كلمة وداعية لأحد السفراء الأوروبيين قبل مغادرته لبنان سنة 2025: “إذا كنتم مستمرين في ألاعيبكم manigances فلا تعتمدوا على دبلوماسيتنا”. في اجتماع شخصيات ذات موقع في الحياة العامة قلت: لبنان اليوم هو في حالة تقسيمية مستحيلة في دولتين: دولة رسمية شرعية ودولة رديفة لها جيشها ودبلوماسيتها! كان جواب أحدهم الذي كان مولجًا بإدارة عامة ثم وزيرًا: لسنا في معرض درس جامعي! ما معنى دولة في لبنان؟ هل الدولة راسخة في الادراك الجماعي؟ يعاني لبنانيون فجوة في الوعي والتشخيص والعلاج.

إن تمجيد ثقافة اللبناني، حصرًا، في الفنون والآداب والعلم والصمود والمقاومة الوطنية والانتشار العالمي، لا ينتج دولة ومجتمعًا مستقرًا. إن العلاج هو في آن مؤسساتي وثقافي في إرساء ذاكرة جماعية رادعة ونقل تأريخ علمي واقعي. يمارس لبنانيون دعارة في العلاقات الدبلوماسية انطلاقًا من رواسب شيعية سياسية ومارونية سياسية. هذه الدعارة خيانة وطنية! ويتمادى لبنانيون في سجالات في القانون الدولي وفي توصيف “الإطار” في حين أن الإطار هو اختبار لجديّة اللبنانيين، بعد أكثر من نصف قرن، في استعادة الدولة ووحدانيتها واقفالهم لبنان الساحة والساحات! يصدر في أيلول المقبل كتاب موسوعة حول “حياد لبنان الرسمي وحياد اللبنانيين” مع التركيز على حياد اللبنانيين بالذات الذين يستدرجون احتلالات “أخوية”. لا أمل للبنان، ولا استعادة الثقة ولا إصلاح ممكن من دون جديّة، بعد نصف قرن، في استعادة الدولة ووقف أي دعارة دبلوماسية وعلاج عقدة الباب العالي.

الهدف الأسمى هو تعميم إدراك جماعي عارم في لبنان، لدى كل اللبنانيين ولدى ذهنيات مذهبية متوارثة في سبيل الحؤول دون تبوؤ رئيس دولة (ماروني) بعد ختام العهد الحالي، لا يتمتع، في مجمل تاريخه وثقافته وسلوكه وممارساته اليومية وانتماءاته، بموجبات الدولة في وظائفها السيادية، نقيضًا للمساومات والتذاكي والتموضع والمعليشية وعلى مسافة واحدة من الجميع في قضايا سيادية، عملا بالمادة 49 الجديدة من الدستور وتاريخيتها في ميثاق الطائف.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إلقاء قنابل صوتية على المنصوري وبرعشيت
التالى بري ينفذ رغبات إيران وعون ممتعض من جنبلاط: “لا فاهمو ولا متفهّمو”