كتب سعد الياس في “القدس العربي”:
رغم التحالف السياسي بين رئيس مجلس النواب نبيه بري و«حزب الله»، إلا أن «حرب الإسناد» وما تبعها كشفت فروقاً جوهرية في مقاربتهما للدولة اللبنانية وللعلاقة مع باقي المكوّنات اللبنانية.
فحرب الإسناد لم تكن مجرّد جولة عسكرية عابرة على الحدود الجنوبية، بل شكّلت محطة مهمة أعادت طرح الأسئلة الجوهرية حول موقع الدولة اللبنانية، وطبيعة القرار السياسي–العسكري، وحدود التحالفات الداخلية. ومع امتداد آثار الحرب إلى الجنوب والبقاع والضاحية، برز تمايز ولو غير ظاهر بين الثنائي الشيعي، وخصوصًا بين مقاربة الرئيس نبيه بري ومقاربة حزب الله، سواء في مفهوم الولاء للبنان أو في العلاقة مع رئاسة الجمهورية ممثلة بالرئيس جوزف عون.
منذ اندلاع المواجهات في 8 تشرين الأول/أكتوبر 2023 وما قبلها، بدا لبنان الرسمي شبه غائب عن قرار الحرب والسلم. لم تُستشَر مؤسسات الدولة، ولم تُطرح الكلفة الوطنية لحرب الإسناد، فيما تحمّل المواطن وحده وخصوصاً المواطن الشيعي نتائج الدمار والتهجير والخسائر الاقتصادية. في هذا المشهد، لم يعد السؤال إن كانت نظرية «وحدة الساحات» مبرّرة أو مشروعة، بل: من يقرّر؟ ولمصلحة من؟ وعلى حساب من؟
ولولا الرئيس نبيه بري الذي يشكل نموذجًا مختلفًا في مقاربة الصراع لكانت إسرائيل أكملت حربها على الجنوب والضاحية والبقاع ولكانت كلفة الضحايا والدمار أكبر بكثير. فالرئيس بري، وإن كان حليفًا استراتيجيًا لـ «حزب الله»، يبقى في جوهر أدائه رجل تسويات، يعرف ضبط الايقاع، يعرف متى يمرّر ومتى يفرمل. خبرته الطويلة في إدارة الأزمات اللبنانية جعلته أكثر إدراكًا لهشاشة الوضع.
خلال حرب الإسناد، التزم بري خطابًا حذرًا، محاولًا تغليب العقل البارد ومنع الانزلاق إلى حرب شاملة. لم يخرج عن معادلة «دعم المقاومة»، لكنه في الوقت نفسه حرص خلال فترة الشغور الرئاسي على إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الخارج، وعلى حماية ما تبقّى من موقع لبنان الدبلوماسي. فبالنسبة إليه، انهيار الدولة يعني سقوط المظلّة التي تحمي الجميع، بما في ذلك «المقاومة» نفسها. ويدرك بري أن لبنان لا يملك ترف الحروب الطويلة، ولا قدرة له على تحمّل تبعات صراعات إقليمية مفتوحة، وأن الحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار بات معركة بحد ذاتها.
في المقابل، ينطلق حزب الله من مقاربة مختلفة. فقراره العسكري يرتبط مباشرة بتوازنات المحور الذي ينتمي إليه.
هذا الخيار، مهما كانت مبرراته العقائدية أو السياسية، لم يُراعِ الواقع اللبناني المنهك والمتنوع. وجاءت النتائج مروّعة: دمار واسع، تهجير آلاف العائلات، تعميق الأزمة الاقتصادية، وزيادة عزلة «حزب الله» لبنانياً وعربيًا ودوليًا. والمستغرب أن «الحزب» لا يتوقف عن انتقاد الدولة والسؤال عن السيادة وماذا تفعل الدولة لحماية الجنوب والأهالي في وقت لم تشارك هذه الدولة لا في الحرب ولا في اتخاذ قرارها كي تتم مساءلتها اليوم ومهاجمة كل من رئيس الجمهورية العماد جوزف عون ورئيس الحكومة نواف سلام ووزير الخارجية يوسف رجي.
وفي هذا المجال أيضاً، تبرز الفوارق في علاقة الثنائي الشيعي برئيس الجمهورية. فبين الرئيسين عون وبري تقاطع حول أولوية الدولة، ودور الجيش، والحاجة إلى إعادة الاعتبار للمؤسسات الشرعية، ولو بالحد الأدنى. كلاهما يدرك أن إنقاذ لبنان يمرّ عبر تثبيت الاستقرار، لا عبر توسيع رقعة المواجهة، عبر الوحدة الوطنية لا عبر الانقسامات والتفرقة. وكانت لافتة زيارة الرئيس بري إلى قصر بعبدا رغم تصاعد الخلاف بين عون و«الحزب».
أما علاقة حزب الله بالعهد الذي حاول استيعابه ومحاورته على مدى عام، فتقوم على حذر متبادل. قبول برئاسة عون من باب الأمر الواقع، لا من باب الشراكة في مشروع وطني جامع. الخلاف غير المعلن يتمحور حول جوهر الدولة نفسها: حصرية السلاح، وقرار الحرب والسلم، ودور الجيش كمرجعية وحيدة للأمن الوطني.
وقد جاءت الحملة الشعواء والمدفوعة من بيئة «حزب الله» خلال الايام القليلة الماضية ضد رئيس الجمهورية بعد مواقفه من «الحزب» وحديثه عن «انتفاء مهمة السلاح ودوره الرادع» ودعوته إلى «التعقّل» وما رافق هذه الحملة من تخوين وتشهير، لتكشف ما تختزنه النفوس تجاه الرئيس ومن حالة إنكار للمتغيّرات.
غير أن ما غاب عن «حزب الله» أن عقارب الساعة لن تعود إلى الوراء وأن ما كان ممكناً في عهود سابقة من استقواء على الدولة والمسؤولين ومن تعطيل وتهديد بحرب أهلية صعب التحقق مع عهد الرئيس عون.
هنا يبرز دور الرئيس بري الذي ببراغماتيته يعطي الأولوية لتجنّب الصدام مع الرئاسة الأولى ومع «حزب الله»، وقد يلعب دور الوسيط لتخفيف التوتر المتصاعد مع رئيس ما زال في مطلع عهده، ما يعني أن للثنائي الشيعي مصلحة في مسايرة العهد وتدوير الزوايا وإبقاء الجسور مفتوحة وخفض السقوف وعدم الخروج من الحكومة. وإن كان لا نية لدى الرئيس بري للتواجه مع الحزب علناً، إلا أنه لا يتوانى عن إرسال اشارات حول كيفية الخروج بأقل خسائر ممكنة تماماً كما فعل في اتفاق وقف الأعمال العدائية حفظاً للجنوب والضاحية والبقاع وللطائفة الشيعية.
أخبار متعلقة :