موقع دعم الإخباري

كيف ترأس مطلوب للدولة “اللجنة الأمنية” في شاتيلا؟

كتب فتات عيّاد في “نداء الوطن”: 

أعادت إلى الواجهة قضية مقتل إيليو أبي حنا منذ أشهر مسألة المخيمات الفلسطينية غير الخاضعة للسيادة اللبنانية، كبؤر للسلاح غير الشرعي والمخدرات والمطلوبين. وزاد من سخط الرأي العام اللبناني في هذه القضية، أن مصدر الرصاص الذي قتل شابًا لبنانيًا، أتى من حاجز أمني تابع للأمن الوطني الفلسطيني، على أرض لبنانية. لكن على قاعدة “ما خفي كان أعظم”، كان “رئيس اللجنة الأمنية المشتركة في شاتيلا”، التي تقيم بدورها حواجز على غرار الأمن الوطني، وتقوم بـ”التنسيق” مع الأجهزة الأمنية اللبنانية لتسليم مطلوبين داخل المخيم- المعروف باسم “علي فياض”، مطلوبًا بل ومن أكبر المطلوبين للدولة اللبنانية!

أن يكون رأس هرم اللجنة التي تمثل الفصائل الفلسطينية في المخيم “مطلوبًا” هو فضيحة، والأخطر كان بقاؤها غير مفضوح إعلاميا وكأنها أمر على الدولة اللبنانية التكيّف معه، وهي بالفعل تكيفت أو “تساكنت” معه في العهد السابق. إلا أنه مع مقاربة العهد الجديد سواء للسلاح غير الشرعي أو ملف المخدرات والحملة الأمنية عليها، توازيًا مع تغيّر المقاربة الفلسطينية، بدءًا من تعيين سفير جديد في لبنان مؤخرًا، كانت أولى خطوات فرض “السيادة اللبنانية” على مخيم شاتيلا، وإقالة “فياض” من منصبه منذ أسابيع قليلة.

“علي فياض” اسم وهمي. وتكشف “نداء الوطن”، عن اسمه الحقيقي في هذا التحقيق، كما تكشف عن أبرز مذكرات التوقيف بحقه، وتفاصيل “ترؤسه” اللجنة. فهل فعلًا نسّقت الأجهزة الأمنية مع أبرز المطلوبين داخل شاتيلا فكان “مظلة” للمطلوبين فيها؟ وكيف وصل تأثير بؤر المخدرات إلى عمق بيروت الإدارية وتحديدًا “شارع بدارو” في ما سيعرف بـ “ديليفري المخدرات” لتبدأ المعركة مع المخدرات من قلب المخيم وتصل إلى عمق الخطة الأمنية للعاصمة؟

الاسم الحقيقيّ لـ “علي فياض”!

بداية، لا بد من التمييز بين الأمن الوطني الفلسطيني، التابع لـ “فتح”، واللجنة الأمنية المشتركة في مخيم شاتيلا، المكونة والممثلة لفصائل فلسطينية عدة، وهي التي كان يرأسها “علي فياض”. وتكشف “نداء الوطن”، عن اسمه الحقيقي، وهو “علي أحمد الحاج علي”.

ترفض مصادر أمنية، رفضًا قاطعًا، فكرة أن تكون الأجهزة الأمنية اللبنانية، قد انحدرت للتنسيق مع مطلوب لها “لا من قريب ولا من بعيد” طيلة فترة ترؤسه اللجنة. وعن التنسيق مع اللجنة، تؤكد مصادر أمنية رفيعة، أن “الجيش اللبناني لا ينسّق مع مطلوبين، وهناك أعضاء آخرون في اللجنة غير مطلوبين للدولة كان يتم التنسيق معهم، وكونه رئيسًا للجنة، لا يجعل الأجهزة الأمنية اللبنانية ملزمة بالتنسيق مع مطلوب لها”.

وتكشف المصادر الأمنية الرفيعة، أن عزل الحاج علي (سنستخدم اسمه الحقيقي في المقال) من منصبه، أتى ضمن سياق “ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني”، وجاء بإيعاز من السفير الفلسطيني الجديد محمد الأسعد، كبادرة تعاون مع الدولة اللبنانية في الملفات السيادية وضمنها الحملات على تجار المخدرات في المخيم، وهو ما تتلقفه المصادر الأمنية اللبنانية بإيجابية.

وتبدي المصادر تفاؤلها بمرحلة تنسيق جديدة يسودها “تنسيق أعلى”، لأن مرحلة ترؤس الحاج علي للجنة، تميزت بالتستر على مطلوبين فلسطينيين كبار، وتساهل أكبر مع تسليم مطلوبين لبنانيين داخل المخيم.

أكثر من 20 مذكرة توقيف وأحكامًا مؤبدة!

وعن مذكرات التوقيف بحق الحاج علي، تكشف مصادر أمنية أخرى لـ “نداء الوطن”، أنها تفوق الـ 20 مذكرة توقيف. إذ إن الأخير مطلوب للدولة اللبنانية، بأحكام غيابية صادرة بحقه من عدة محاكم أبرزها محكمة جنايات بيروت ومحكمة جنايات جبل لبنان.

أما مذكرات التوقيف فتتراوح بين: المخدرات من ترويج إلى تجارة، إطلاق نار، نقل أسلحة، تجارة أسلحة، مقاومة رجال السلطة وتحقيرهم… وبحقه أحكام تصل للأشغال الشاقة المؤبدة.

إن الحاج علي لم يكن يومًا مطلوبًا عاديًا، بل مطلوبًا بأحكام مؤبدة. ومع هذا، كان في عهود سابقة طغى فيها ضعف الدولة اللبنانية أمام دويلات السلاح والمخدرات، على رأس لجنة أمنية فلسطينية، يتم التنسيق معها لمداهمة مطلوبين في مخيم شاتيلا!

ابتزاز المروّجين الصغار: حماية بالقوة!

منذ أيام، ظهر الحاج علي بفيديو، يدّعي فيه أنه تعرّض لكمين من جهاز أمني لبناني ونجا منه، فيما لم يتبن أي جهاز أمني هذه الرواية. لكن هذا الفيديو كشف الكثير من أسلوبه بالتعاطي مع الدولة اللبنانية، ويقول:”لقد سلّمت الدولة اللبنانية 700 مطلوب”.

حول عبارة الحاج علي هذه، تعلّق المصادر بأن “المخيم والمطلوبين فيه، مش دكانة يللي خلّفه”، معرّية حقيقة زعمه أنه “مسؤول الأمن في المخيم”، فيما على الأرض “كان مسؤول عصابة مسلحة، يتزعم عناصر غير منضبطة، تعمل تحت إمرته، يتعاطى المخدرات، ويبيع السلاح، ويغطي كبار المطلوبين فيه”. فكيف حصل ذلك؟

في شرح لطبيعة عمله، تقول المصادر “كان الحاج علي يرسل العناصر المؤتمرة بإمرته، لتأتي له بالمروجين الصغار للمخدرات إلى مكتبه، حيث استحدث “نظارة” خصيصًا لهذا الغرض، ليمارس فيها أعمال يجرّمها القانون اللبناني، أبرزها حجز حريتهم”.

ففي الشكل، ضرب واحتجاز بحجة معاقبة مروّج أو متعاطٍ (مانحًا نفسه صلاحية جهاز أمني ومحكمة وسجن)، أما في حقيقة الأمر، فكان الهدف هو الابتزاز مقابل المال.

ولا يمكن إلا التوقف عند أخطر مقطع في الفيديو الذي نشره الحاج علي، وهو تهديده المبطّن للدولة اللبنانية، في إشارة إلى دويلته داخل المخيم: يقول: “لو 20 متر لقدام (يعنى لو تقدمت الدولة أو الجهاز الأمني الذي يدّعي محاولته توقيفه للداخل أكثر) كنتو عملتو لنا فيها قضية… كانوا فاتوا ع قلب المخيم يعني… هون المسلحين تبعولنا”. (غالبا هي النظارة).

من هنا، فإن عملية “عزل” الحاج علي عمليًا عن رأس اللجنة الأمنية، تضعها مصادر أمنية لبنانية واكبت عمليات قبض على تجار ومروجي مخدرات داخل المخيم، في خانة كونه “رأسًا من رؤوس الفساد داخل مخيم شاتيلا”.

تغطية المطلوبين الكبار

إلا أن هذا التعاطي كان مع المروجين الصغار، أما التجار الكبار، فلهم حساب آخر. فكلما كان تاجر المخدرات في مخيم شاتيلا كبيرًا، كلما كان ذا أهمية ووزن، لدى الحاج علي.

فالتغطية للتجار الكبار، كانت تتجلى في أقصاها، لدى مداهمة اللجنة الأمنية المشتركة، حيث يعطيهم الحاج علي علمًا مسبقًا بالمداهمة، ويداهم صغار التجار، وهو ما تصفه المصادر بعبارة “ما في مرة سلّم (الحاج علي) تاجر مخدرات محرز للدولة”. والحجة دائمًا “ما فيي سلمن… أهل المخيم بيقوموا عليي”، أما الحقيقة، فهي كانت تقاضيه مقابل حمايته لهم 3 أنواع من التقديمات بحسب المطلوب: إما المال أو المخدرات أو السلاح، وأحيانًا جميعها.

وأبرز المطلوبين الذين غطاهم الحاج علي بحسب المصادر: هيثم حسن يوسف الملقب بـ “بلبل المصري”، والذي كانت بحقه عشرات مذكرات التوقيف، بين مخدرات وتجارة سلاح، وكان يدعم الحاج علي بالسلاح والمال ليشتري تغطيته له، قبل أن يضطر للخروج خارج المخيم، بغية العلاج في أحد المستشفيات حيث جرى توقيفه منذ سنوات. وإلى اليوم، ما زال الحاج علي يحمي إبن المطلوب، محمد هيثم يوسف.

أما حسن نعيمة ولقبه “حسن جرافة”، وعليه أحكام مؤبدة وأحد أبرز المطلوبين، فالدولة اللبنانية هي التي أوقعت به، وليس الحاج علي من سلمه، بل كان يغطيه.

أما أبو علي توتة، وهو في سجن رومية اليوم وذاع صيته بإدارته غرف المخدرات من روميه، فقد اختبأ في شاتيلا لفترة بغطاء من الحاج علي. كذلك غطى الأخير، أبو رصاص، وهو تاجر سلاح هرب إلى أوروبا مؤخرًا.

أما عصام يُمّا، فلسطيني الجنسية، وعليه عشرات مذكرات التوقيف، فهو رئيس عصابة الدراجات النارية التي سرقت دراجة للقوى الأمنية في الرملة البيضاء، وأوقف بعد الحادثة بفترة وجيزة، وأيضًا كان بحماية الحاج علي.

ويحكى عن تغطية الحاج علي إلى اليوم المطلوبَين وسيم حزينة وربيع بشرى. أما أسامة اللداوي، وهو ليس فقط أحد أخطر المطلوبين، الذين تم توقيفهم في تركيا وحسب، بل إنه اليد اليمنى للحاج علي، فهو مرافقه الدائم في مكتبه. علمًا أن طريق المطلوبين الهاربين من شاتيلا إلى خارج لبنان إما يكون عبر البحر بطريقة غير شرعية، أو عبر سوريا، وتحديدًا إدلب فتركيا.

من غرف مخدرات شاتيلا… إلى عمق بيروت الإدارية

مكافحة المخدرات وتوقيف أبرز مطلوبيها، طبعت العام الأول من العهد الجديد. وفي شاتيلا تحديدًا يمكن الحديث عن عمليتين بارزتين للجيش اللبناني: في 19 أيلول 2025، حيث نفذت وحدات من الجيش عملية دهم نوعية لمستودع رئيسي تستخدمه إحدى العصابات لتخزين المواد المخدرة، واشتبكت مع مطلوبين ما أدّى إلى إصابة عدد منهم، وأوقفت 55 شخصًا. وفي 10 كانون الأول 2025، تم توقيف أحد أخطر المطلوبين عند مدخل مخيم شاتيلا، المعروف بـ “حسن جرافة”.

بين البيانين وعمل مخابرات الجيش، عمل مواز لجميع الأجهزة الأمنية المعنية: كاستقصاء بيروت، أمن الدولة (كتوقيف الملقب “طقطق” أحد أخطر المطلوبين في عصابة “أبو عبيدة” في الحي الغربي) وشعبة المعلومات… لكن اللافت أن انعكاس تجارة المخدرات، كان صداه يصل إلى عمق بيروت الإدارية!

نتحدث هنا عن “ديليفري المخدرات”، أو الدراجة النارية التي توصل المخدرات من المروجين للزبائن، وتمر عبر شوارع بيروت الإدارية وفي عمقها. ووفق مصادر مطلعة على عمليات توقيف “الديليفري”، فإن المخدرات المنقولة هي من كافة الأنواع: كوكايين، حشيشة، سالفيا، وغيرها.

في المعطيات الجديدة، وتحديدًا في الأشهر الأربعة الأخيرة، فإن قرابة 30 مروجًا للمخدرات أوقفوا في شارع بدارو وحده. ونسأل المصادر الأمنية “لماذا بدارو؟”، فتنوه إلى أنه كمقصد للفئة العمرية الشبابية، يصبح مقصدًا في المقابل إما لمروجي المخدرات وإما للسرقة.

وهذه الأرقام إنما تؤكد أولًا على فاعلية الخطة الأمنية لشرطة بيروت، والتي وضعت بتوجيهات من وزير الداخلية أحمد الحجار وتعليمات من مدير عام قوى الأمن الداخلي، اللواء رائد عبد الله، لحماية سكان المدينة وسياحها، وثانيًا على خطورة بؤر المخدرات، إذ أن ما يحصل في المخيمات على أطراف بيروت، لا يبقى عمق بيروت بمنأى عنه.

سيادة الدولة على كامل أراضيها

في هذا التحقيق، تبدأ المخدرات من مخيم على أطراف بيروت، ولا تنتهي في شارع بدارو، عمق بيروت الإدارية، لتكشف أن أمن بيروت نفسه، لا يستقيم إلا بسيادة الدولة على جميع المخيمات المحيطة.

بمعنى آخر، فإن عزل المسمى “علي فياض”، علي أحمد الحاج علي، لا يُقفل ملف شاتيلا، بل يفتحه على سؤال سيادي أكبر: هل تبسط الدولة اللبنانية سيادتها بالكامل على المخيمات في العام الثاني من العهد الجديد، دونما حاجة للتنسيق مع الأطراف الفلسطينية؟

إلى اليوم، أثبت الغطاء السياسي للعمل الأمني لتفكيك بؤر المخدرات على كافة الأراضي اللبنانية جديته ونجاعته، فيما يبقى الغطاء السياسي لحصر كل السلاح بيد الدولة اللبنانية، مدخلًا وحيدًا حقيقيًا لجعل الدولة اللبنانية سيدة على المخيمات الفلسطينية وضمنها شاتيلا، كجزء لا يتجزأ من السيادة اللبنانية!

أخبار متعلقة :