موقع دعم الإخباري

الغضب العاجز لـ “الميليشيا”… رغم شهر العسل

كتب سامر زريق في “نداء الوطن”:

صعدت ميليشيا “حزب الله” من حملتها ضد رئيس الحكومة بالتزامن مع المساعي التي يبذلها الأخير لتثبيت موقف الدولة اللبنانية في لحظة انعدام وزن جماعي قاتلة. والحال أننا في “نداء الوطن” لم نخطئ أو نبالغ حينما وصفنا الرئيس نواف سلام بـ “سيف الدولة البيروتي”. فالرجل غدا بمثابة حجر الزاوية في عملية استنهاض الدولة من بين ركام الميليشيا – المافيا، حيث يحسب له خطابه المتوازن والشجاع، وعدم تهيّبه الظروف المربكة والقاتلة التي وجد نفسه وحكومته إزائها بلا رغبة أو إرداة أو قرار.

ومع ذلك فإن حملة ميليشيا “الحزب”، بجندها من إعلاميين ومؤثرين، تمسي طبيعية عند النظر إلى الصورة من زاوية أخرى. فالرئيس نواف سلام رجل دولة يتأبّط مفاهيم وقيم الدولة في خطابه ونهجه منذ لحظة دخوله السراي الحكومي، بما يجعله نقيضًا طبيعيًا لذاك الجسد الذي أنشأ دويلة داخل بنية الدولة، حتى صارت سلطة أقوى من سلطتها الشرعية، وورمًا غير حميد ينهش في جسدها.

غير أن عدم تراجع الرئيس سلام وإصراره على ترسيخ موقف الدولة، حتى في ظل غياب القدرة على تحويله إلى آليات تنفيذية، يدفع ميليشيا “الحزب” إلى زيادة ضراوة حملتها على رئيس الحكومة، وتحميله وزر كل مصائب البلاد وأزماتها، السابقة والآنية، بما في ذلك الحرب التي افتعلها عن روح خامنئي رغم أنف اللبنانيين، لأن صناع قرارها يدركون أن المتوخى من الموقف هو تحيّن اللحظة المناسبة ليصير إجراءًا تنفيذيًا.

فيما أنها لا تبالي بتصدّع التوازنات الداخلية الهشة وانفجارها، ولا تنفك عن التلويح بالفتن المذهبية والطائفية، وبشنّ حرب على الدولة بمعناها ومبناها. ولذلك سعت في حملتها إلى شد الوتر المذهبي إلى أقصاه، بهدف تصريف غضب ناسها عن أفاعيله، زد عليها خلق استقطاب سني – شيعي، من خلال تحلّق بعض السنة حول رئاسة الحكومة بمواقف جماعية. بيد أنها فشلت في تحقيق مبتغاها لعدة أسباب متصلة.

أوّلها أن الرئيس نواف سلام يحظى بدعم عربي ودولي وازن، وواحد من دواعي تغطية تمديد ولاية البرلمان كان ضمان استمراريته على رأس حكومته. ثانيها، أن الرئيس نواف سلام ليس طائفيًا أو مذهبيًا، كما أنه لا يشعر بضعف يدفعه إلى الاحتماء بطائفته وتوسّل إظهار تضامن ديني معه. لذلك لم يسجّل زيارات تضامنية إلى السراي ذات طابع سني، ولا اندفعت دار الفتوى لإسباغ حمايتها للمقام، مع أن ذلك حمال أوجه.

ثالثها، وهو الأهم، موقف النخب السياسية السنية الملتبس تجاه الرئيس سلام، وتجاه الصراع برمته. ثمة العديد من الشخصيات لا تزال أسيرة معادلات أفلت إلى غير رجعة، ترى في ميليشيا “حزب الله” أنها “صانع الملوك” وعرّاب الدخول إلى جنة السلطة. لذلك تحرص على حفظ حبائل الودّ معه، ويشتمل ذلك على شخصيات تصنّف مستقلة. في موازاة العداء المتأصّل لإسرائيل في الوجدان السني، بما يجعل أي موقف معارض لنظام الملالي الإيراني وأذرعه الميليشياوية، وفي طليعتها ذاك المستوطن في الجسد اللبناني، محفوف بمخاطر انفجار غضب الشارع السني بشكل غير محسوب ضد صاحب هذا الموقف.

رابعها، شهر العسل المتواصل بين ميليشيا “حزب الله” و”تيار المستقبل” منذ أشهر، والذي ترجم بالاحتفاء الترويجي بالحريري للآلة الإعلامية الممانعة، قابله غياب تام لـ “الحزب” عن خطاب “المستقبل”، مرفق بتعميم بعدم التهجم عليه وانتقاده على منصات التواصل الاجتماعي، بذريعة وأد الفتنة المذهبية، في موازاة السعي إلى تصدير الأزمة تجاه المسيحيين.

لا ريب أن المستقبل يمتلك قدرة هائلة على الاستقطاب المذهبي تحت عناوين سنية جذابة، إلا أنه امتنع عن تقديم أي شكل من أشكال الدعم لرئيس الحكومة، حيث ثمة إرادة حريرية سابقة للحرب، ومستمرة راهنًا، بمنع أي تضامن معه. ناهيكم أنه ينظر إلى “الحزب” على أنه منقذه من الضياع. هذا العامل كان له دور بارز في تدعيم موقف الرئيس سلام الذي يرفض تمامًا أن يكون محور أي استقطاب مذهبي.

وعليه، تحوّلت حملة ميليشيا “الحزب” الشرسة إلى ما يشبه غضب العاجز الذي يحاول عبر الضجيج والصراخ مواراة عجزه عن بلوغ مقصده في تسعير الفتن، أو الإتيان بفعل سياسي حكيم، حيث لم يفده شهر العسل مع “المستقبل” ولا مع “الجماعة الإسلامية”، بل زاد من انكشاف عجزه في النيل من عزيمة الرئيس سلام.

ليس تفصيلًا أبدًا أن ذاك الرجل القادم من مقاعد تدريس النظريات السياسية، ومن قاعات المحاكمات السياسية الطابع، بلا حلفاء، وبلا بطانة، وبلا جمهور، وبلا مال، تتعامل معه ميليشيا ترتبط بمشروع توسعي إقليمي، ولديها قاعدة جماهيرية واسعة، ومنظرين، وطبقة رجال دين، وقدرات مالية هائلة، وتحالفات داخلية وخارجية راسخة، على أنه ندًّا لها. رجل دولة مقابل دويلة ومشروعها التوسعي.

أخبار متعلقة :