كتب جيرار ديب في “القدس العربي”:
«يا ترابًا مقدسًا يُدعى إيران، فاسد الدم الذي لا يراق في سبيلك».
بيت شعر استهله، السجين السياسي، آشامي رضائي، من قصيدته التي بعثها من سجن قزل حصار في كرج، إلى المرشد الأعلى، علي خامنئي ليخبر فيه عن المصير الذي ينتظره، بالتزامن مع اليوم الرابع للاحتجاجات في إيران.
لم يكتف رضائي بكتابة الشعر، ولكنه طالب قوات الأمن بأن يضعوا أسلحتهم وهراواتهم أرضًا وينضموا إلى الشعب، كما ذكر بمصير بشار الأسد محذرَا العناصر الأمنية من أن يتعلموا من «التجربة المريرة للطغاة».
على وقع التظاهرات التي تتصاعد وتيرة الاحتجاجات فيها، أعلنت الحكومة الإيرانية، الأحد 3 كانون الثاني، أنها ستصرف إغاثة شهرية لكل مواطن لـ«تخفيف الأعباء الاقتصادية»، في خطوة تهدف إلى امتصاص حماسة المحتجين على تردي الأوضاع المعيشية. وقالت المتحدثة باسم الحكومة، فاطمة مهاجراني، للتلفزيون الرسمي، «يمكن للأفراد الحصول على مبلغ يعادل 7 دولارات شهرًا، يودع في حسابهم لمدة أربعة أشهر».
لا شكّ أن الحكومة أدركت عمق الهوة مع شعبها، وأنها بدأت تتحسس فعلاخطر الانزلاق في حرب داخلية لن تكون نتيجتها مرضية. ولا شكّ أيضًا أن رضائي قارئ سياسي جيد عندما ذكر بمصير هروب الفار بشار إلى روسيا، مع تقارير بدأت تتحدث عن أن المرشد يجهز العدة للهروب إلى روسيا. فالتهديدات الأميركية الحادة التي يوجهها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من تلقي النظام في طهران ضربات قاسية إن استمرّ بقتل المحتجين، قابلها تحذير جديد من الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيرتش، إيران الى احترام الحق في التظاهر السلمي مع تجنب سقوط ضحايا.
شهدت الحكومة السورية في آذار 2011 واحدا من أخطر التحديات في تاريخها الحديث والمعاصر، والذي تمثل بأزمة على مختلف جوانب الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث تمّ وصف المشهد الاقتصادي بالمرعب، وذلك بسبب عدم وجود أي إدارة مركزية تحكم الاقتصاد السوري الأمر الذي أشعل شرارة الاحتجاجات على تردي الأوضاع الاقتصادية رغم الخطوة السورية يومها في زيادة الحصص الغذائية، إلا أنّ الأمور ذهبت في اتجاه إسقاط الطاغية ما أدى في عام 2024 إلى هروبه إلى موسكو.
إن الغارات العنيفة التي شنها الجيش الاسرائيلي، على مناطق شمال الليطاني ليل الاثنين 5 كانون الثاني، اعتبرت رسالة بالدم والنار من الجانب الإسرائيلي
صحيح أن الأزمة السورية استمرت لسنوات قبل تحقيق هدف الثوار، لكنّ عوامل كثيرة تداخلت وأطالت بعمر نظام بشار على رأسها التدخل الإيراني ووكلائه في تلك الحرب، ودخول الروسي بثقله العسكري لحماية حليفه بشار، إضافة إلى تهديدات الرئيس الأميركي الأسبق، باراك أوباما بضرب النظام والتراجع في اللحظة الأخيرة عن قراره.
اليوم الأمر مختلف في ساحات طهران، إذ على رأس الولايات المتحدة رئيس ينفذ تهديداته، فليس من باب الصدفة تلك العملية الخاطفة للرئيس الفنزويلي، نيكولاس مادورو وزوجته، اللذين يمثلان أمام المحكمة الفيدرالية في نيويورك بتهم كثيرة. هذه العملية اعتبرت أقوى رسالة يوجهها ترامب إلى خصومه، على رأسهم المرشد في طهران، حيث بات من المتوقع أن تنفذ واشنطن ضربة في اللحظة الذي تراها مناسبة لانهيار النظام وبعد تبلور الصورة لما بعد خامنئي، كي لا تغرق إيران في فوضى هي بغنى عنها.
كذلك الأمر لا تمتلك طهران حلفاء يتدخلون عسكريًا لحماية النظام، كما كان حال النظام السوري، بل لديها وكلاء عبّرت عن امتعاض أدائهم على لسان محمد جواد ظريف، وزير الخارجية السابق. لكنّ امتعاض ظريف أتى في سياق دفع الوكيل للتدخل عند أي اهتزاز وجودي داخلي عبر المحتجين أو خارجي عبر تنفيذ ضربات مشتركة إسرائيلية ـ أميركية، متمنيا أن لا تقف متفرجة كما حرب الـ12 يوما في حزيران الماضي مع إسرائيل».
هو رهان طهران الأخير، في توجيه التهديدات والإنذارات، ولكن ما فات طهران أن تلك الجماعات باتت تواجه المصير في دول المنشأ. إذ على سبيل المثال، «حزب الله» في لبنان، يعيش حالة من القلق بعد إقرار الحكومة المرحلة الثانية من خطة الجيش التي تعتمد على سحب سلاحه من منطقة شمال الليطاني، بعدما أكدت قيادة الجيش على سحبه جنوب الليطاني. ليس هذا وحسب، بل إن الغارات العنيفة التي شنها الجيش الاسرائيلي، على مناطق شمال الليطاني ليل الاثنين 5 كانون الثاني، اعتبرت رسالة بالدم والنار من الجانب الإسرائيلي ورفع السقف عاليًا لعملية برية واسعة بضوء أخضر أميركي إن لم تنفذ الحكومة قرارها الصادر في 5 آب الماضي.
النظام الإيراني في مأزق حقيقي، مع عجز حلفائه الدوليين من الصين إلى روسيا عن لعب أي دور جدي لإنقاذه أو على الأقل لفرملة انهياره. لهذا بات المؤكد إن النظام أفرغ من محتواه وهو ينتظر السقوط بعدما تتبلور صورة اليوم التالي من هروب خامنئي، ومع ضمان عدم انجرار الوكلاء إلى إحداث توترات في مسعى لتجنيب المنطقة مزيدًا من التوترات والفوضى والمتعلقة بضبط وكلاء طهران في لبنان واليمن والعراق وما تبقى من فلول في سوريا، لكن السؤال يبقى، هل سيشهد النظام سقوطا حرا، أم تحت وقع الضربات الأميركية؟




