موقع دعم الإخباري

نمرٌ من ورق… عندما وصف ترامب حلفاءه بالجبناء

كتبت د. بولا أبي حنا في “نداء الوطن”:

في لحظة سياسية مشحونة، لم يحتج دونالد ترامب إلى أكثر من تغريدة ليكشف عمق الأزمة داخل أحد أقوى التحالفات في العالم. في 20/3/2026، كتب بلهجة غاضبة منتقدًا حلف شمال الأطلسي، واصفًا بعض حلفائه بـ”الجبناء”، ومشيرًا إلى أنهم رفضوا حتى تقديم دعم لوجستي في واحدة من أكثر اللحظات حساسية. لم تكن الكلمات مجرد انفعال عابر، بل توصيف صادم لتحالف لطالما قُدّم كرمز للقوة والوحدة، قبل أن يصفه ترامب نفسه لاحقًا بأنه “نمر من ورق”، وهو تعبير سياسي اشتهر به ماو تسي تونغ لوصف قوى كبرى تبدو مخيفة ظاهريًا لكنها غير قادرة على الحسم فعليًا.

لفهم هذا التصعيد، لا بد من العودة إلى جوهر الأزمة. الولايات المتحدة تحركت عسكريًا في الخليج، مستهدفةً فرض واقع جديد في مضيق هرمز، لكن هذا التحرك تمّ دون تنسيق مسبق مع معظم الدول الأوروبية. هذا الأمر شكّل أحد أبرز أسباب التوتر، حيث اعتبرت عواصم أوروبية أنّ واشنطن اتّخذت قرار الحرب بشكل أحادي، ثم عادت لتطلب الدعم بعد أن أصبح التصعيد أمرًا واقعًا.

هنا تحديدًا برز الخلاف القانوني والسياسي. فالدول الأوروبية استندت إلى مبدأ واضح داخل الحلف، يقوم على أنّ أي اعتداء على دولة عضو يُعد اعتداءً على الجميع (المادة الخامسة). لكن في هذه الحالة، لم تتعرض الولايات المتحدة لهجوم مباشر، بل كانت هي من بادرت بالتصعيد. هذا الفارق لم يكن تفصيلاً بسيطًا، بل كان أساسًا لرفض الإنخراط، حيث رأت عدة دول أن ما يحدث لا يُلزمها عسكريًا.

بعض المواقف الأوروبية عبّرت عن ذلك بوضوح. فقد اعتبرت جهات سياسية أن النزاع لا يدخل ضمن نطاق الدفاع الجماعي، فيما دعت فرنسا إلى تجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، مفضلة الحلول السياسية، بينما شدّدت ألمانيا على غياب إطار جامع يبرر التدخل. أما دول أخرى، فاختارت البقاء في موقع الدعم غير المباشر، دون الانخراط العسكري.

في المقابل، لم يكن غضب ترامب نابعًا فقط من الرفض العسكري، بل من طبيعته. فبحسب ما أشار إليه، لم يكن يطلب تدخلًا قتاليًا مباشرًا، بل دعمًا لوجستيًا محدودًا. هذا ما جعله يرى في موقف الحلفاء تخليًا حتى عن الحد الأدنى، وهو ما دفعه لاستخدام وصف “الجبناء”، ثم الذهاب أبعد من ذلك بوصف الحلف بأنه “نمر من ورق”.

هذا التباين يكشف بوضوح التداخل بين الاستراتيجي والسياسي. القرار الأميركي لم يكن عسكريًا بحتًا، بل حمل أهدافًا تتعلق بإعادة رسم موازين القوى والضغط على إيران، بينما جاء الموقف الأوروبي نتيجة حسابات دقيقة تتعلق بالكلفة والمخاطر، خاصة في ظل حساسية سوق الطاقة.

في قلب هذه المعادلة، يبرز مضيق هرمز كنقطة ارتكاز عالمية. فليس مجرد ممر بحري، بل شريان اقتصادي تمرّ عبره نسبة كبيرة من إمدادات النفط. أي اضطراب فيه لا ينعكس فقط على أطراف الصراع، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله، من أسعار الطاقة إلى استقرار الأسواق.

ما تكشفه هذه الأزمة هو أن التحالفات لم تعد تتحرك وفق منطق واحد. الناتو أي الحلف الأطلسي، الذي كان يُنظر إليه ككتلة موحّدة، بدا أقرب إلى مجموعة دول لكلّ منها أولوياتها وحساباتها الخاصة. لم يعد الالتزام تلقائيًا، بل أصبح مشروطًا، ولم تعد الشعارات كافية لضمان التحرك الجماعي.

في النهاية، لا يتعلق الأمر بخلاف سياسي عابر، بل بتحوّل أعمق في طبيعة العلاقات الدولية. عالم تتقدم فيه المصالح على التحالفات، وتُعاد فيه صياغة مفهوم القوة ذاته.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: من سيدفع الثمن؟

الجواب لا يقتصر على طرف واحد. الاقتصاد العالمي سيدفع عبر ارتفاع أسعار الطاقة، والدول المرتبطة بمضيق هرمز ستتحمل المخاطر المباشرة، وأوروبا ستواجه كلفة التردد، بينما قد تجد الولايات المتحدة نفسها أمام عبء المواجهة منفردة.

أما الخسارة الأكبر، فهي تلك التي لا تُقاس بالأرقام إنما بتآكل الثقة.

فعندما تصل العلاقة بين الحلفاء إلى حدّ تبادل الإتّهامات، وعندما تتحوّل أقوى تحالفات العالم إلى موضع شك من داخلها، فإن الأزمة لا تكون في قرار أو حرب… بل في الأساس الذي بُني عليه كل شيء.

وهنا تحديدًا، لا يعود السؤال: لماذا لم يتحرّك الناتو؟

بل يصبح السؤال الأخطر:

هل لا يزال هذا الحلف تحالفًا فعليًا… أم مجرد قوةٍ تُخيف في الظاهر… وتنكشف عند أول اختبار؟

أخبار متعلقة :