كتب رامي نعيم في “نداء الوطن”:
استطاع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون بساعة ونصف الساعة تقريبًا في حلقة “عام على العهد” مع الزميل وليد عبود، أن يلخص إنجازات سنته الأولى في قصر بعبدا مستعينًا بذاكرة حاضرة وبفريق عمل متجانس فكان غوص في كل الملفات ومن دون أيّ فيتو رئاسي على أي موضوع من السلاح إلى السلام إلى الفساد إلى إعادة الإعمار إلى رؤساء الأحزاب مرورًا بالاستحقاقات الدستورية وصولًا إلى المؤسسات القضائية والأمنية ومستقبل العمل السياسي للرئيس بعد نهاية عهده.
من تابع الرئيس استشرف المستقبل القريب للبنان، فهو لم يتنبأ كما فعل ميشال حايك، لكنه قرأ المعطيات السياسية المحلية والدولية وربط بين ما يعرفه وما قد يحدث فجأة. ولأن عون يعرف ما يقول ويقول ما يعرف، فهو طمأن اللبنانيين إلى أن لا حرب كبيرة من قبل إسرائيل ضد لبنان، ولا اجتياح برّي، بل هناك ضربات متقطعة تقوم بها إسرائيل ضد “حزب الله”. وإذا كان حديث عون عن السلام قد أغضب كثيرين، الّا أن دعوته “حزب الله” إلى التعقل وترك السلاح الذي بنظره لم يعد ينفع، قد فجّرت شارع الممانعة وأحدثت موجة اعتراض واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وصلت إلى حد اتهام عون بالخيانة. موقف “حزب الله” لم يرضِ فريق “القوات اللبنانية” الذي ظلّ صامتًا ولم يدافع عن مواقف الرئيس عون، على الرغم من أن عون قال في سلاح “حزب الله” ما يقوله حزب “القوات اللبنانية” نفسه. وقد يكون القواتيون قد رأوا في حديث عون بعض الانتقادات لحزبهم من دون أن يسمّيهم، ما دفعهم إلى انتظار قرار القيادة في الرد على خطاب الرئيس، حتى أتت تغريدة النائب ملحم رياشي مساء أمس داعمة ومؤكدة أن بين معراب وبعبدا أكثر من تناغم.
وفي قراءة مواقف الأحزاب يبرز موقف “التيار الوطني الحر” والمتمثل بالوزير السابق والمرشح الحالي للتيار إلى الانتخابات النيابية في قضاء جزين هكتور حجار الذي انتقد عون مباشرة بعد حديثه متهمًا إياه بالتماهي مع إسرائيل وبالعمل على سحب سلاح “الحزب”. موقف الحجار أبرزته وسائل إعلام “حزب الله” معتبرة أن الرد على الرئيس عون أتى مسيحيًا، وأن التيار يرفض سحب السلاح. لكن “التيار الوطني الحر” لم يُصدر رسميًا أي موقف حتى الساعة.
في السياق، لم تكن مقابلة عون موجّهة ضد أي طرف لبناني، بل كانت واضحة في شرح تفاصيل المواضيع الإشكالية، فتناولت العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس مجلس النواب نبيه بري والتي وصفها عون بالممتازة، كذلك العلاقة بين الرئاستين الأولى والثالثة والتي دحض عون أي خلاف بينهما، مستشهدًا بكمية المراسيم وعدد جلسات الحكومة. الانتخابات بدورها كانت حاضرة، وقد أدار عون مساء الأحد محركات المرشحين الذين كانوا تائهين بين تأجيل سنة أو اثنتين أو أربع، فأتى تأكيد الرئيس أن الانتخابات النيابية في موعدها جوابًا شافيًا للمرشحين والناخبين معًا. في الموضوع المالي، كان عون واضحًا. وما حديثه عن المؤتمر الصحافي الأخير لحاكم مصرف لبنان كريم سعيد وثناؤه على مواقفه، إلا تأكيد أن التنسيق بين الرئيس والحاكم ووزير المال ياسين جابر في أفضل حال، وأن أموال المودعين لن تبقى منهوبة وستعود إلى أصحابها، مطمئنًا في الوقت نفسه أهالي ضحايا تفجير 4 آب إلى أن القرار الظني سيصدر قريبًا ولن يفلت المذنبون من العقاب. وإذا كان بعض “المغرّدين” ممّن يحملون ويُحمّلون أجندات سياسية قد رأوا في رد الرئيس عن تفجير 4 آب بعض الهروب إلى الأمام، فإن مصادر الرئاسة الأولى تؤكد عبر “نداء الوطن”، أن سنة 2026 ستكون سنة الحقيقة بالنسبة لأهالي الشهداء، وأن الرئيس عون سيضغط لصدور القرار الظني وبأسرع وقت ممكن.
لعلّ أجمل وأعمق ما قاله عون في حديثه مع الزميل وليد عبود: الفارق بين رجل الدولة ورجل السياسة، هو أن رجل السياسة يفكّر في انتخابات المستقبل، بينما رجل الدولة يفكّر في جيل المستقبل”. وفي هذا القول كان عون واضحًا بأن لا طموح له في السياسة، فهو لن يمدّد ولن يجدّد ولن يؤسس حزبًا ولن يدعم مرشحين ولن يؤلف كتلة نيابية ولن يسعى إلى استمرار حياته السياسية بعد خمس سنوات.
لم يكتف عون بالقول، بل طالب عبود بأن يحاسبه بعد خمس سنوات على ما يقول اليوم. ولأن الرئيس لا يبحث إلا عن إنجازات وطنية، وعن نهاية ولاية رئاسية بضمير مرتاح، فهو تحدث عن بناء لبنان الجديد، معتبرًا أن بناء منزل على أرض جديدة، أسهل بكثير من أعادة إعمار منزل محطّم على الأساسات ذاتها. وفي هذا الحديث، دعوة واضحة إلى جميع اللبنانيين إلى إعادة بناء لبنان بعيدًا من الخلافات الطائفية والمذهبية.
وعن مشكلة لبنان الأساسية قال عون: 90 % من مشكلة لبنان هي الفساد وتعهّد بمكافحته. وتحدث عن إنجازات على هذا الصعيد، جازمًا بأن المكننة هي الطريق الصحيح لمحاربة الفساد والحد من المفسدين.
هي جردة عامة لسنة واحدة، استطاع فيها عون تناول المواضيع الأساسية وظهر بإنجازات جسام تكاد تكفي عهدًا كاملًا وليس سنة واحدة. هي ساعة ونصف الساعة اختصرت 365 يومًا من عهد رئيس يستيقظ فجرًا وينام قبل بزوغه بقليل. ويعمل سبعة أيام في الأسبوع علّه يستطيع ترميم الكثير في وطن تآكل بفعل الطائفية، ودُمّر بنار الحقد، فأتاه رئيس استثنائي في زمن استثنائي علّه يستطيع إنقاذ ما يمكن إنقاذه.




