“سرايا المقاومة” تستغل الفقر لتوسيع نفوذها شمال الليطاني

“سرايا المقاومة” تستغل الفقر لتوسيع نفوذها شمال الليطاني
“سرايا المقاومة” تستغل الفقر لتوسيع نفوذها شمال الليطاني

كتب طارق أبو زينب في “نداء الوطن”:

 

في ظلّ الفراغ السياسي والتدهور الاجتماعي غير المسبوق، تشهد بعض المناطق الواقعة شمال نهر الليطاني، والتي هي من أكثر المناطق فقرًا وتهميشًا، حراكًا منظمًا يطرح بصمت علامات استفهام جدّية حول طبيعة النشاط الجاري. ويتركز هذا الحراك في صور وصيدا وإقليم الخروب، إضافة إلى بعض المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان، ويتصل مباشرة بإعادة تنشيط “سرايا المقاومة” التابعة لـ “حزب الله”. وتعتمد هذه المقاربة على الاستثمار في الفقر والضغط المعيشي، تحت عناوين خدماتية وإنسانية ، ظاهرها الدعم وباطنها اختراق سياسي وأمني محكم، مع التركيز على بيئات سنيّة متخبطة يستفيد منها “الحزب” لفرض نفوذه الميداني.

إدارة نفوذ دقيقة داخل البيئات السنيّة

وأكدت مصادر مطلعة  لـ “نداء الوطن” أن “الحزب” أعاد تفعيل مسارات التجنيد داخل هذه البيئات، مستفيدًا من تراجع المرجعيات السياسية التقليدية وانكفاء القيادات، وغياب أي مشروع إنقاذي جامع يقدم بدائل فعلية لشباب مسحوقين بفعل البطالة والانهيار الشامل. وبحسب المصادر، تتجه “سرايا المقاومة” نحو إعادة تموضع منهجي على أكثر من مستوى وفي المقدمة، يشمل ذلك إعادة تحريك عناصر قديمة توقفت رواتبهم قبل حرب “الإسناد”، ليعاد دمجهم ضمن شبكات ضيقة ومنضبطة، تتيح السيطرة الدقيقة على التحركات الميدانية، ما يعكس خطة متكاملة لإدارة النفوذ الأمني مع المحافظة على الغطاء المدني.

وفي الوقت نفسه، يتركز النشاط على تجنيد عناصر جديدة، بعضها يعمل في شركات أمن وحراسة خاصة، ما يثير مخاوف جدّية من زرع مخبرين أو نقاط رصد خفية في الشوارع والأحياء. وتتوسع الاستراتيجية لتشمل المخيمات الفلسطينية، حيث تُعرض رواتب شهرية تبلغ نحو 200 دولار على الأفراد، بهدف تأمين غطاء مدني لنشاط أمني منخفض الكلفة وعالي الفعالية، ما يعكس استغلالًا مدروسًا لهشاشة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق أهداف سياسية محددة.

وتؤكد المصادر أن هذه الخطوات تمثل استراتيجية دقيقة لإعادة السيطرة على الفضاء الشعبي المستهدف، مع دمج الخبرة السابقة بالعناصر الجديدة، وبالغطاء المدني والنفوذ الأمني، في ما يشبه تجربة عملية لتطبيق معايير جديدة في إدارة النفوذ الميداني بكفاءة عالية.

استراتيجية فلسطينية لضبط الأمن وتحييد المخيمات

تشير المصادر إلى أن بعض المخيمات الفلسطينية في جنوب لبنان وقفت بحزم في وجه محاولات منظمة لتجنيد عناصر لصالح “سرايا المقاومة”. وتزامنت هذه المحاولات مع التحضيرات لتنفيذ المرحلة الثانية لنزع السلاح في جنوب لبنان، الممتد من شمال نهر الليطاني وصولًا إلى نهر الأوّلي. وفي موازاة ذلك، تشهد المخيمات الفلسطينية تحوّلًا واضحًا في المقاربة المعتمدة، تقوده القيادة الفلسطينية بعد إعادة الهيكلة التنظيمية الأخيرة لحركة “فتح”، بإشراف مباشر من ممثل الرئيس الفلسطيني في لبنان، ياسر محمود عباس .

وترتكز هذه الاستراتيجية الجديدة على تشديد الضبط الأمني داخل المخيمات، والتصدّي الحازم لأي محاولات اختراق أو استقطاب خارجي، فضلًا عن منع تحوّل المخيمات إلى ملاذٍ للمطلوبين للقضاء اللبناني. كما تؤكد المقاربة الفلسطينية تحييد المخيمات تمامًا عن أي مشاريع أو صراعات إقليمية، بما يحفظ استقرارها الداخلي ويصون أمنها الاجتماعي والسياسي.

تعويض الخسائر عبر التمدد البشري والاستعداد للانتخابات

سياسيًا، يقرأ أكثر من مصدر هذا التحرّك لـ”حزب الله” على أنه انعكاس مباشر للمأزق الذي يعيشه داخليًا بعد الخسارة الفادحة في حرب “الإسناد”، التي أدت إلى تدمير جزء كبير من بنيته العسكرية، واغتيال أمينه العام وكبار قادته، وإضعاف قدرته على مواجهة التحديات العسكرية المباشرة في جنوب لبنان. هذه التطورات، لم تُضعف “الحزب” عسكريًا فحسب، بل قلّصت هامش سيطرته السياسية داخل الدولة، وكسرت صورة الهيمنة التي راكمها على مدى سنوات.

في ظل هذا الواقع، يترقب “حزب الله” إعادة الترميم والتنظيم داخل “سرايا المقاومة” في البيئات المختلفة، وهو مسار يتقاطع أيضًا مع ملف نزع السلاح شمال نهر الليطاني وصولًا إلى نهر الأوّلي. ويبدو أن “الحزب” يسعى لتعويض تراجعه الجغرافي والأمني عبر تمدد بشري واجتماعي في مناطق حسّاسة، مع الاستعداد للاستحقاق النيابي المقبل بوصفه محطة مفصلية لإعادة ترتيب التوازنات السياسية. غير أن خسارته جزءًا كبيرًا من حلفائه السنة التقليديين، الأقرب إلى موقع الخصومة أو الحياد، دفعته للبحث عن بدائل جديدة، فيما تُثير هذه التطورات مخاوف جدّية من انعكاسات أمنية محتملة وتهديد مباشر للتوازنات الداخلية الدقيقة، لا سيما في المدن المختلطة أو تلك التي على فوهة الاحتقان.

تحذيرات سيادية من استغلال الفقر سياسيًا

تحذر مصادر سياسية سيادية من أن خطورة هذا النشاط، لا تكمن فقط في طابعه الأمني، بل في عمق تأثيره الطائفي، وتحويل الفقر إلى وقود لمشاريع تتجاوز مصالح الناس الفعلية. فاستغلال الشارع اللبناني أو الفلسطيني في لحظة انهيار إنساني واجتماعي وربطه بأجندات انتخابية وأمنية وسياسية، يعيد إنتاج مناخات سبق أن دفّعت البلاد أثمانًا باهظة .

وعليه، ترى أوساط معنيّة أن المرحلة تفرض مقاربةً شاملةً لا تقتصر على البعد الأمني، بل تتطلّب موقفًا سياسيًا واضحًا من الدولة والقوى السنيّة الفاعلة، يُحصّن الهامش الاجتماعي ويصون ما تبقى من السيادة اللبنانية عبر مسار نزع السلاح في مختلف المناطق اللبنانية، قبل فوات الأوان

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق “أبو عمر” و “الجثث” التي تنتظر الدور
التالى 2025 كان عام التحوّل في سياسة واشنطن تجاه لبنان