زيارة قائد الجيش إلى واشنطن تعيد فتح ملف “الحزب”

زيارة قائد الجيش إلى واشنطن تعيد فتح ملف “الحزب”
زيارة قائد الجيش إلى واشنطن تعيد فتح ملف “الحزب”

كتب سعد الياس في “القدس العربي”:

شكّلت زيارة قائد الجيش اللبناني إلى واشنطن محطة مفصلية كان يُفترض أن تعزّز موقع المؤسسة العسكرية اللبنانية لدى الإدارة الأمريكية والكونغرس، خصوصاً في ظل الأوضاع البائسة التي تعيشها المؤسسة العسكرية وضباطها وعناصرها الذين يقومون بمهام جمّة تتطلب منهم الكثير من الجهوزية والامكانات المادية والعسكرية، أبرزها استكمال الانتشار في جنوب لبنان والانتقال إلى المرحلة الثانية من خطة حصر سلاح «حزب الله» بيد الدولة.

إلا أن ما رافق الزيارة من تطورات سلبية، ولاسيما حيال المقاربة لدور «حزب الله» وعدم تبنّي تصنيف الحزب كـ «منظمة ارهابية» بحسب الموقف الرسمي الأمريكي، ألقى بظلال ثقيلة على أهدافها ونتائجها. وتجلّى هذا التوتر بشكل لافت مع السيناتور الجمهوري المتشدد ليندسي غراهام، المعروف بمواقفه الحازمة تجاه «حزب الله» وإيران، والذي أنهى الاجتماع بقائد الجيش بشكل مفاجئ وفج، في خطوة حملت دلالات سياسية قاسية تتجاوز الطابع البروتوكولي.

هذه الحادثة التي تمثل الانتكاسة الثانية لقائد الجيش بعد إلغاء زيارته إلى واشنطن قبل أشهر بسبب استخدام بيانات قيادة الجيش تعبير «العدو الإسرائيلي» لا يمكن فصلها عن السياق الأوسع للعلاقة اللبنانية–الأمريكية. فالولايات المتحدة تنظر إلى الجيش اللبناني باعتباره شريكاً أمنياً مهماً، لكنها في الوقت نفسه تربط دعمها المستمر بمدى قدرة الدولة اللبنانية على فرض سيطرتها في مناطق نفوذ «حزب الله»، أو عدم توفير غطاء سياسي له. من هذا المنطلق، فإن أي التباس في الخطاب أو الموقف يُقرأ في واشنطن كرسالة سلبية، حتى لو كان نابعاً من حسابات داخلية لبنانية دقيقة، علماً أن ليس من مهمة قائد الجيش تصنيف «حزب الله» بل هذا أمر تُسأل عنه السلطة السياسية التي لا يمكنها تبنّي هذا التوصيف لحزب يتمتع بتمثيل نيابي ووزاري، لأنها ستكون مضطرة لرفض الجلوس معه على المقاعد النيابية والوزارية نفسها.

على المستوى الداخلي، تضع هذه الانتكاسة القيادة العسكرية في موقع حرج. فالجيش، الذي يسعى إلى الحفاظ على توازن دقيق بين كونه مؤسسة وطنية جامعة وبين اعتماده الكبير على الدعم الخارجي، يجد نفسه مرة أخرى عالقاً بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج خصوصاً في لحظة إقليمية دقيقة تشهد فيها المنطقة تصعيداً متزايداً بين واشنطن وطهران.

أما على صعيد العهد المنتخب بدعم أمريكي وعربي، فمن المبكر الحديث عن التداعيات على رئيس الجمهورية العماد جوزف عون وخصوصاً في ظل ما تردد عن تحضيرات لزيارة واشنطن. إلا أن المؤكد أن الظروف السياسية للزيارة ستتأثر حُكماً بما جرى خلال زيارة قائد الجيش.

وعليه، فإن أي التباس أو تباين في الرسائل الصادرة من بيروت حول ملف «حزب الله» وسلاحه سيُعاد طرحه بقوة خلال التحضير لزيارة الرئيس، إن حصلت. وقد يتحول جدول أعمال الزيارة من كونه مناسبة لدعم العهد الجديد وإعادة فتح قنوات المساعدة، إلى جلسة مساءلة سياسية غير معلنة حول نيات الدولة اللبنانية الفعلية، لا سيما في ما يتعلق بتنفيذ القرارات الدولية وحصرية السلاح. فمرحلة تفهّم الخصوصية اللبنانية تبدو في تراجع، لصالح مقاربة أمريكية أكثر مباشرة تربط الدعم بالإجراءات لا بالنوايا.

وفي السياق، فإن مؤتمر دعم الجيش اللبناني المقرر عقده في باريس في 5 آذار المقبل، سيكون مصيره أكثر حساسية. ففرنسا، رغم محاولتها الدائمة لعب دور الوسيط المتوازن مع جميع الأطراف اللبنانية، لا تستطيع المضي قدماً في أي مبادرة دولية من دون غطاء أمريكي فعلي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالدعم المالي والعسكري، مع العلم أن قطر هي أكثر دولة تتولى دعم الجيش مالياً، وقد بادرت قبل أيام إلى تقديم حزمة من المساعدات الانمائية للبنان بقيمة 420 مليون دولار.

أما بعض الدول المانحة فتربط مساهمتها بتطمينات واضحة حول استقلالية القرار العسكري اللبناني، والانتهاء فعلياً من معادلة «جيش وشعب ومقاومة»، إذ يبقى سلاح «الحزب» هو العقدة الأساسية التي تشترط الدول حلها للانطلاق في عملية إعادة الإعمار وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للنقاط الخمس وتحرير الأسرى. ولا حاجة للتذكير بأن فريق الإدارة الأمريكية الحالي ومعه عواصم غربية وعربية، لم تعد مقتنعة بسماع عناوين عامة عن «إستراتيجية دفاعية» أو «إستراتيجية أمن وطني» وما شابه، بل باتت تطالب بمسار واضح وسريع يُفضي في نهايته إلى حصرية السلاح بيد الدولة.

ولكن على الرغم من الواقعة بين هيكل وغراهام، يبقى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تُقاطع لبنان يومًا، ولم تُقاطع أي حكومة لبنانية بسبب عدم تبنّيها الرسمي لتصنيف «حزب الله» تنظيمًا إرهابيًّا. وهي كانت حتى تاريخه تراهن على الجيش وتدعمه حتى في أكثر المراحل السياسية تعقيداً.

ومَن يعاين المواقف الأخيرة لرئيس الجمهورية وقرارات الحكومة في 5 و 7 آب يدرك أن الدولة لم تعد تتعامل مع «حزب الله» كمرادف لها بل تحرص في كل مناسبة على تمييز نفسها عن «الحزب» ليس استرضاء لأحد بل تطبيقاً لخطاب القسم وللبيان الوزاري، ولو أن بعض الخطوات لاحتكار السلاح بيد الدولة تسير ببطء وبشكل تدريجي بسبب عدم تعاون «حزب الله» وبسبب تخوّف السلطة من صدام بين الجيش و«الحزب». وجاء بيان الخارجية الأمريكية غداة زيارة العماد هيكل ليدفع إلى مزيد من الخطوات الآيلة إلى نزع سلاح الجماعات التابعة لإيران، فيما الأنظار تتجه إلى مآلات العلاقة بين واشنطن وطهران، التي ستحدد نتيجتها الحرب أو الاستجابة للشروط.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق الحجار بحث مع خضر في التحضيرات للإنتخابات
التالى الحشيمي: سأترشّح إلى الإنتخابات