حينما يتبنى “اليمين” المسيحي “مظلومية” السنة

حينما يتبنى “اليمين” المسيحي “مظلومية” السنة
حينما يتبنى “اليمين” المسيحي “مظلومية” السنة

كتب سامر زريق في نداء الوطن:

خطا رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع خطوة سياسية كبيرة، وفي توقيت شديد الحساسية، إذ جاوز تأييد حزبه لـ “قانون العفو العام” حدود الموقف السياسي إلى تبنّي “مظلومية السنّة”، محوّلا إياها من خطاب تتبنّاه شريحة محدودة ومستضعفة داخل الشارع السنّي إلى قضية سياسية تتمتع بمشروعية مسيحية ووطنية. هذا التحول يهدم الرواية الأمنية التي كرّستها الدولة العميقة لعقود، ويوجّه صفعة سياسية لحقبة كاملة قامت على “شيطنة” هذا الملف.

ومن خلال إطلالاته المتتالية، من برنامج “صار الوقت” إلى العشاء السنوي لمجلة “المسيرة”، وصولا إلى مقابلة “لبنان الحر”، رسم جعجع توصيفًا متماسكًا لجوهر الأزمة: ملفات مركّبة، وملاحقات استنسابية، ومحاكمات غير عادلة، وسجناء أمضوا خلف القضبان أكثر مما تبيحه العدالة والإجراءات القانونية.

والحال أنه ليس تفصيلا تبنّي “القوات”، بما تمثّله من قوة مصنّفة ضمن “اليمين المحافظ”، وتجسّده في الوعي الجمعي امتدادًا لبشير الجميل، ورمزًا لقضية الوجود المسيحي الفاعل، وصاحبة الكتلة الأكبر في البرلمان، قضية كانت حتى الأمس القريب تُقدَّم على أنها “بعبع” لتخويف المسيحيين، وتسويق أوهام “حلف الأقليات”، وتسويغ هيمنة “حزب الله” المختصرة بجملة شديدة التكثيف: “لولانا لقتلتكم داعش ولَسَبَتْ نساءكم”.

وفيما أمسى جعجع لـ “هنيهة” كمن يحمل “صليب المعاناة” عن السنّة، وسط الضجيج المثار من قلّة محدودة من النواب السنّة، والذي وظّفه محور سياسي يعمل منذ سنوات على شيطنة “القوات”، ويجمع بين “حزب الله” و “تيار آل الحريري”، وبينهما ضابط إيقاع المحور وإرث “انتفاضة 6 شباط”، الرئيس نبيه بري، بالتزامن مع محاولات رمي بعض بذور الفتنة بين المعتقلين أنفسهم، فإن النتيجة جاءت معاكسة.

ذلك أن تطيير “القوات” نصاب الجلسة التشريعية من أجل تحسين الشروط التفاوضية في قانون العفو بشأن المعتقلين السنّة أمسى إدانة للسنّية السياسية ورموزها، ولا سيما الحريرية، التي لم تبادر إلى اتخاذ خطوات تصعيدية صلبة حينما كانت في “زهوة” السلطة وشريكة أساسية في قرار البلاد ومغانمها، واكتفت بمبادرات أقرب إلى المسرحيات الموسمية ذات الدوافع الانتخابية الصرفة.

فيما امتشاق جعجع معول هدم الجدار السميك الذي ترفعه الدولة العميقة، بمساواته بين “أحداث عبرا” وتفجير “سيدة النجاة” ومفاعيلهما السياسية والقضائية والاجتماعية، أسهم في تحفيز دينامية سنّية لإنتاج حراك سياسي أكثر ثقة وزخمًا، ينقل التعامل مع قضية العفو العام من موقع الدفاع إلى محاولة فرض معادلة سياسية مختلفة تنسجم مع المتغيرات في لبنان والمنطقة.

ناهيك عن تقويض “حكاية الشيطنة” الممجوجة، حيث كان الموقف الأبرز للمحامي محمد صبلوح، الذي دافع لسنوات عن قضية المعتقلين في لبنان والمحافل الدولية، حين أكد أن انسحاب كتلة “القوات” من الجلسة التشريعية أفشل فخًا قانونيًا محكمًا لإنتاج قانون “ممسوخ” يبقي المعتقلين داخل زنزانة سياسية أشد ضيقًا من زنزانتهم الحقيقية.

غير أن هذا الحراك اصطدم بمعضلة أساسية رافقت هذه المسألة طوال السنوات الماضية، وهي غياب ضابط إيقاع قادر على توحيد الموقف السنّي وقيادة مبادرة سياسية متماسكة في مواجهة “حرّاس معبد” الدولة العميقة.

وزاد الأمر تعقيدًا امتناع “دار الفتوى” عن احتضان أي مبادرة جامعة بسبب الطعن في تمديد السن القانونية لمفتي الجمهورية، والذي يدفعه إلى التموضع في “المنطقة الرمادية”، و “تصفير” المواقف الصلبة وعالية السقف، ضمن إطار البحث عن صفقة تبقيه في مقامه، إلى جانب معاناة بعض النواب من “فائض الوهم” و “الأنا المتورّمة” في مواجهة زملاء لهم يتمتعون بحضور سياسي وازن يجعلهم مشاريع زعامة عابرة للدائرة الانتخابية، بما أدّى إلى تعطيل أي جهد لبناء موقف موحّد.

الإشكالية الأولى تولّى معالجتها الرئيس نواف سلام، بالتنسيق مع بعض النواب وجهات خارجية، عبر مبادرة سياسية تستند إلى الدور المركزي لرئاسة الحكومة سياسيًا ووطنيًا، وترتكز على إزالة “المفخخات” القانونية من مشروع قانون العفو بنصوص واضحة لا تحتمل الالتباس. وقد حظيت هذه المقاربة بدعم لجنة متابعة قضية المعتقلين، التي زار وفد منها ضم المحامي محمد صبلوح وممثلين عن المتضررين من “أحداث عبرا” السراي الحكومي لإعلان تأييدها.

أما الإشكالية الثانية، فعمل على معالجتها عدد من النواب، في مقدّمهم النائبان فيصل كرامي وأشرف ريفي، عبر الدفع بمقترح يتجاوز الحسابات الضيقة، ويؤمّن مخرجًا لائقًا لزملائهم “المصعّدين”، يرتكز على الاجتماع في مكان محايد، اختير مجلس النواب، والاتفاق على جملة ثوابت في قانون العفو تُدوَّن في وثيقة يوقّعها الجميع، بما يضع كل طرف أمام مسؤوليته، ويكشف حقيقة المواقف بعيدًا عن المناورات.

هذان المساران لا يتعارضان، بل يتكاملان: رئاسة الحكومة تلعب دور ضابط الإيقاع، فيما يوفّر تجمع النواب “الإسناد” البرلماني اللازم، بما يسهم في تحقيق التوازن المطلوب، ليس مع “سيد البرلمان” فحسب، بل كذلك مع القوات اللبنانية. إذ ليس معقولا أن تحمل القضية عن المعنيين أنفسهم. ناهيك عن تطوير فلسفة الحراك السياسي لتصبح القاعدة الأساسية التي يرتكز عليها: العفو العام لا يُنال بالتسول والاستجداء، ولا بمقايضات مبتسرة يغدو معها المعتقلون كأنهم بضاعة، بل يُفرض باعتباره استحقاقًا وطنيًا، وإنصافًا متأخرًا، وعنوانًا لمرحلة سياسية جديدة.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق البند 13…لماذا أصر على تعليق المواجهة القانونية بين لبنان وإسرائيل؟
التالى المناطق التجريبية… اختبار دولي لبناء الثقة بالدولة اللبنانية