موقع دعم الإخباري

بيئة “الحزب” من التساؤل إلى التململ

كتب أنطوان مراد في “نداء الوطن”:

 

على الرغم من السقف العالي الذي يرفعه الأمين العام لـ “حزب الله” الشيخ نعيم قاسم وعدد من مسؤولي “الحزب” ونوابه، فإن هذا الواقع يعجز عن تغطية الإرباكات التي يعيشها “الحزب” حيال الخيارات السياسية والاستراتيجية المعتمدة من جهة، وحيال كيفية التعاطي مع بيئته التي يراوح تفاعلها مع خطاب “الحزب” من الأقصى إلى الأقصى، أي من الدعم الأعمى والعشوائي غير المشروط، إلى الاعتراض الصريح والتعبير عن الغضب والخيبة، مع الحرص على التمييز بين التاريخ وإرث الشهادة وزمن المقاومة الفعلية بهدف تحرير الجنوب، وبين التوجهات الراهنة التي ترتد بشكل كارثي على شريحة واسعة من البيئة الحاضنة وعلى الجمهور الشيعي بشكل عام.

فصحيح أن هذا الجمهور مرتاح لما حصّل له “الثنائي” من مكاسب ونفوذ وخدمات وحضور طاغٍ في صلب الدولة وقرارها ومؤسساتها، لكنه في الوقت عينه بدأ يستشعر أن هذه الصورة بدأت تشكل عبئًا وتنقلب عليه في بعض الأحيان سلبًا، إذ لم تعد الدولة وخزينتها ومصالحها “غب الطلب”، ولم تعد الأموال والمساعدات سهلة التوافر، بل إن شعورًا متعاظمًا يسود شريحة لا بأس بها بأنها متروكة لقدرها وأن الرهانات السياسية لم تعد بمستوى التضحيات المبذولة أو المطلوبة.

وتبرز فئة كبيرة ممن قضوا عمرهم في الاغتراب وعادوا ليستقروا في لبنان وبنوا الفيلّات والمنازل الجميلة في بلدات الجنوب ومن بينها القريبة من الحدود، وهم من يعبّرون بخاصة اليوم عن مرارة كبيرة حيال مصير أملاكهم المهدّمة وجنى العمر الذي ذهب، إما بسبب الاعتداءات الإسرائيلية ردًا على “حزب الله” وغالبًا على تمركز عناصره في محيط منازلهم، وإما نتيجة الغارات على مصالح زراعية وصناعية وتجارية تعود لهم وذهبت بدورها أدراج الرياح. ويعتبرون أن “هذه التضحيات الجسيمة لو أدت إلى انتصار أو إلى ردع العدو أو إلى حالة استقرار وعودة إلى الهدنة، لكنا سلّمنا أمرنا لربنا، ولكن أن نجد أنفسنا في حالة مزرية على مختلف الصعد وتستمر الغارات وعمليات الاغتيال من دون أي را دع، ونستمر معها مهجرين ونازحين وأعمالنا معطلة ولا من يطمئننا إلى دعم أو مساعدة أو تعويضات أو ورشة إعمار قريبة، فهو واقع يثقل علينا كثيرًا ويجعلنا نطرح أسئلة جدية حول مفهوم المقاومة وفوائد المراوحة خارج سقف الدولة”. ويسأل كثيرون: “هل المطلوب أن نعود إلى أفريقيا ونبدأ من جديد، وقد بتنا في خريف العمر، وهو أمر مستحيل عمليًا، علمًا أن مدخراتنا ذهبت للأسف ضحية إفلاس الخزينة وتبخر الودائع؟”.

ولعل المشهد المعبّر، يتمثل في مبادرة عدد من أصحاب المصالح التي دمّرتها الغارات الإسرائيلية بعد وقف إطلاق النار، وأخصهم من كانوا يملكون ورشًا تضم جرافات وآليات حفر وشاحنات وما شابه، إلى الانتقال إلى مناطق المتن وجبيل وكسروان بحثا عن شاحنة من هنا وآلية من هناك وفق ما بقي لديهم من إمكانات محدودة ليستأنفوا أعمالهم بالحد الأدنى، لا سيما وأن استهداف مصالحهم كان عن سبق إصرار، بحجة استعمالها أو إمكان استعمالها لحفر أنفاق جديدة لـ “حزب الله” وبناء مخازن ومراكز وتحصينات.

على أن الملفت هو خشية متفاقمة تبديها رموز قيادية في “حزب الله”، حيال ما يبدو نوعًا من تحولات ديموغرافية غير مسبوقة نتيجة الواقع الأمني الراهن، والذي قد يطول لا سيما بالنسبة للمناطق الجنوبية الحدودية، حيث لا عودة عمليًا حتى الآن. وثمة انطباع بأن أي عودة ستكون مشروطة وتخضع للحسابات الإسرائيلية الخاصة بها، بداعي تحويل الشريط الحدودي، وصولًا ربما إلى منتصف المسافة بين الحدود ونهر الليطاني، إلى منطقة أمنية اقتصادية خاصة لن يكون لـ “حزب الله” أي تأثير جدي في أوضاعها، وتاليًا يفضل كثيرون الابتعاد عن الشريط الحدودي في انتظار تبلور واقعها نهائيًا.

والخشية عينها تشمل جزئيًا ونسبيًا منطقة الضاحية الجنوبية التي تشهد أيضًا تحفظًا في إعادة إعمار أو ترميم بعض الممتلكات ولو توافرت القدرة المالية لدى أصحابها، وتفضيلهم الانتقال إلى مناطق أخرى وشراء شقق جديدة في تلك المناطق أحيانًا. ويعتبر مسؤولو “الحزب” أن مقاومة لا تجد الاحتضان الشعبي، وتتطور من ضمن بيئتها السكنية ستعاني ضعفًا كبيرًا، ولذلك فإن همَّ العودة والإعمار بات يشكل هاجسًا كبيرًا لا يمكن التغاضي عنه وعن تداعياته، علمًا أن شرائح قريبة من حركة “أمل” بدأت تبدي بدورها انزعاجًا حيال قدرتها على تحمل المزيد من المواجهات والخراب والمآسي.

ويبقى أن الامتعاض بدأ يطرق أبواب القيادة الحزبية، مع ارتفاع أصوات تدعو إلى إعادة النظر في الخضوع المفتوح لتوجيهات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، لا سيما مع تولّد قناعة بأن القيادة الإيرانية مهتمة أولًا وأخيرًا بمصيرها وبمصير إيران، ولا تهتم كثيرًا لمعاناة الشيعة اللبنانيين، خصوصًا وأن الشيخ نعيم قاسم لا يملك هامش النقاش والحرية الذي كان يملكه نسبيًا السيد حسن نصرالله، ولذلك يفضل الذهاب بعيدًا في بعض المواقف التي تجافي المنطق والواقع، في ما يشبه الهروب إلى الأمام في كباش صعب وخاسر مبدئيًا مع الدولة اللبنانية والمجتمعين العربي والدولي اللذين يدعمانها.

أخبار متعلقة :