كتبت أورور كرم في نداء الوطن:
رغم التوتر الكبير الذي شهدته الأيام الماضية بين أميركا وإيران، ورغم الاشتباكات العسكرية التي أعادت إلى الأذهان مراحل سابقة من المواجهة بين الطرفين، توحي قراءة المشهد بهدوء بأن ما يجري لا يزال أقرب إلى تبادل الرسائل منه إلى قرار بالذهاب نحو حرب شاملة.
الضربات التي نُفّذت خلال الفترة الأخيرة لم تكن هامشية. القصف الأميركي طال العمق الإيراني، فيما استهدفت إيران الكويت والبحرين والأردن، مدّعية مهاجمة مواقع وقواعد أميركية. ومع ذلك، فإن طبيعة هذه الضربات وحجمها والأهداف التي اختيرت لها تشير إلى أن الطرفين ما زالا يحاولان الحفاظ على سقف معيّن من التصعيد يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد يصعب التحكّم في نتائجها لاحقًا.
بمعنى آخر، يبدو أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يعتمد منطق التفاوض تحت الضغط. فهو يوجّه رسائل واضحة إلى طهران مفادها أن البديل عن التفاهم قد يكون مكلفًا، وأن بلاده مستعدّة لاستخدام القوّة إذا اقتضى الأمر. في المقابل، تسعى إيران إلى إظهار قدرتها على الردّ وعدم الرضوخ للضغوط، من خلال تنفيذ ضربات مقابلة تؤكد فيها أن أي استهداف لها لن يمرّ من دون ردّ.
لكن اللافت أن الطرفين، رغم لغة التهديد المرتفعة، لا يزالان يبدوان حريصين على تجنب نقطة اللاعودة. فالضربات المتبادلة بقيت حتى الآن ضمن حدود مدروسة نسبيًا، ولم تتطوّر إلى استهدافات يمكن أن تفرض على الطرف الآخر ردًّا واسعًا يفتح الباب أمام حرب إقليمية شاملة.
هذا الواقع يعكس أيضًا حسابات سياسية واستراتيجية لدى الجانبين. فالولايات المتحدة لا تبدو اليوم في وارد العودة إلى العمليات القتالية الكبرى ضدّ إيران، فهي تدرك أن أي نزاع واسع سيحمل أكلافًا مالية وعسكرية وسياسية كبيرة، في وقت تواجه فيه واشنطن تحدّيات داخلية وخارجية متعدّدة. كما أن أميركا تستضيف كأس العالم، وهي مناسبة عالمية ضخمة تفضّل الإدارة الأميركية أن تمرّ في أجواء مستقرّة بعيدًا عن تداعيات أي مواجهة عسكرية كبرى.
أما إيران، فهي بدورها لا تملك مصلحة فعلية في الانزلاق إلى حرب مفتوحة. فالاقتصاد الإيراني لا يزال يرزح تحت ضغوط كبيرة، وطهران تدرك أن أي تسوية محتملة قد تفتح الباب أمام الحصول على مكاسب اقتصادية ومالية تحتاجها بشدّة، سواء عبر تخفيف العقوبات أو الإفراج عن أصول مالية مجمّدة أو تحسين علاقاتها مع المجتمع الدولي.
في خضمّ هذا المشهد، تبدو الدول العربية وكأنها تدفع ثمن الصراع الأميركي – الإيراني. فالقواعد العسكرية الموجودة على أراضي بعض هذه الدول، والممرّات البحرية الحيوية القريبة منها، وأسواق الطاقة فيها، كلّها تتحوّل إلى عناصر ضغط ومساومة بين الطرفين المتحاربين.
ومع ذلك، يبقى المؤشر الأهمّ بعيدًا عن الميدان العسكري. فحتى الآن لم يعلن أي من الأطراف توقف المفاوضات أو انهيار قنوات الاتصال. بل على العكس، تؤكد الأطراف الوسيطة، ومن بينها باكستان، أن الاتصالات لا تزال مستمرّة. لذلك، ورغم الضجيج العسكري، لا تزال السياسة حاضرة خلف الكواليس، وما دام التفاوض مستمرًّا، فإن احتمال التسوية يبقى قائمًا.




