المشروع الإيراني: من تصدير الثورة إلى تصدير الهزيمة

المشروع الإيراني: من تصدير الثورة إلى تصدير الهزيمة
المشروع الإيراني: من تصدير الثورة إلى تصدير الهزيمة

كتب جوني خلف في نداء الوطن:

منذ انتهاء المواجهة العسكرية الأخيرة وعودة المسار التفاوضي، تحاول القيادة الإيرانية تقديم ما جرى على أنه انتصار استراتيجي أجبر الولايات المتحدة وإسرائيل على التراجع. غير أن الوقائع الميدانية والسياسية والاقتصادية تشير إلى صورة مختلفة تمامًا، حيث تبدو طهران اليوم منشغلة بإدارة تداعيات الخسارة أكثر من انشغالها بجني مكاسب الانتصار.

في الحروب، لا تُقاس النتائج بحجم الخطابات ولا بالشعارات التي تُرفع أمام الجماهير، بل بالقدرة على تحقيق الأهداف المعلنة وتحسين موقع الدولة الاستراتيجي. والحصيلة الفعلية تشير إلى أن الاقتصاد الإيراني لم يتحسن، والعقوبات لم تُرفع، والعملة الوطنية واصلت تراجعها، فيما ازدادت الضغوط المعيشية على المواطن الإيراني. كما أن النفوذ الإقليمي الذي استثمرت فيه طهران لعقود بات يواجه تحديات غير مسبوقة نتيجة التحولات السياسية والعسكرية التي شهدتها المنطقة.

تكمن المشكلة الأعمق في طبيعة المشروع الذي اعتمدته الجمهورية الإسلامية منذ عام 1979. فمنذ قيام النظام، لم تقتصر أولوياته على بناء الدولة الإيرانية، بل ارتكزت أيضًا على مفهوم تصدير الثورة وتوسيع النفوذ خارج الحدود. ولهذه الغاية، جرى استثمار موارد مالية وعسكرية هائلة في بناء شبكات سياسية وأمنية وعسكرية مرتبطة عضويًّا بالمشروع الإيراني في عدد من دول المنطقة.

وفي العديد من الساحات العربية، لم يؤدِّ هذا النهج إلى تعزيز مؤسسات الدولة أو حماية الاستقرار، بل ساهم في نشوء قوى موازية للمؤسسات الشرعية، تمتلك قدرات عسكرية مستقلة وقرارات تتجاوز السلطات الدستورية للدول التي تنشط فيها. ومع مرور السنوات، تحولت هذه البنى المسلحة إلى أدوات نفوذ إقليمي تستخدمها طهران في صراعاتها ومفاوضاتها الدولية.

ورغم أن هذا المشروع رُوِّج له تحت عناوين المقاومة ومواجهة إسرائيل والدفاع عن القضية الفلسطينية، إلا أن النتائج العملية أظهرت واقعًا مختلفًا. فالمنطقة شهدت مزيدًا من الحروب والانقسامات والانهيارات الاقتصادية، فيما تراجعت سلطة الدولة في أكثر من بلد لصالح مراكز قوى مرتبطة بالمحاور الإقليمية.

وفي الداخل الإيراني نفسه، دفع المواطن الإيراني ثمنًا باهظًا لهذه السياسات. فالمليارات التي صُرفت على المغامرات الخارجية والأذرع الإقليمية جاءت على حساب التنمية والاستثمار والبنى التحتية وفرص العمل. ومع تراكم العقوبات والأزمات الاقتصادية، تزايدت معاناة الإيرانيين وارتفعت مستويات التضخم والفقر وتراجعت القدرة الشرائية بصورة غير مسبوقة.

أما الحرب الأخيرة، فقد كشفت حدود القوة التي لطالما تباهى بها النظام الإيراني. فالقدرات العسكرية التي جرى تسويقها باعتبارها ضمانة ردع مطلقة لم تمنع تعرض مواقع استراتيجية للاستهداف، كما أن منظومة النفوذ الإقليمي التي اعتُبرت مصدر قوة أساسي باتت تواجه ضغوطًا واستنزافًا متزايدين. والأهم من ذلك أن صورة المشروع الإيراني بوصفه مشروعًا صاعدًا وقادرًا على فرض معادلات جديدة في المنطقة تعرضت لاهتزاز واضح.

ومن المؤشرات الدالة على حجم المأزق الحالي، عودة طهران إلى طاولات التفاوض بحثًا عن تسويات ومخارج سياسية واقتصادية وأمنية. فالمفاوضات في هذه المرحلة لا تعكس موقع قوة بقدر ما تعكس حاجة متزايدة إلى احتواء الخسائر وتخفيف الضغوط المتراكمة على الدولة الإيرانية.

لقد قامت الاستراتيجية الإيرانية طوال عقود على استخدام الأذرع الإقليمية كأوراق تفاوض وضغط في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل. إلا أن التحولات التي شهدتها المنطقة أضعفت فعالية هذه الأوراق، ورفعت كلفة استمرارها على إيران نفسها. ومع كل أزمة جديدة، باتت طهران تواجه معادلة أكثر صعوبة بين الحفاظ على نفوذها الخارجي وتأمين الاستقرار الداخلي لشعبها.

لذلك، فإن النقاش الحقيقي اليوم لا يتعلق بنتيجة معركة عسكرية محددة، بل بمصير مشروع سياسي وعقائدي كامل. فالمشروع الذي بُني على تصدير الثورة، وإنشاء شبكات نفوذ عابرة للدول، وتوظيف القضايا الكبرى في خدمة الحسابات الجيوسياسية الإيرانية، يواجه اختبارًا قاسيًا لم يسبق له أن واجهه بهذا الحجم منذ أكثر من أربعة عقود.

ومن هنا، تبدو محاولة تسويق ما جرى على أنه انتصار أقرب إلى عملية إعادة صياغة للرواية السياسية بهدف احتواء التداعيات الداخلية والإقليمية. أما الوقائع، فتشير إلى أن إيران تواجه اليوم مرحلة دفاع استراتيجي بعد سنوات طويلة من التمدد. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تكون الخسارة في فقدان موقع أو تراجع نفوذ فحسب، بل في اهتزاز الفكرة التي قام عليها المشروع بأكمله وفقدان القدرة على إقناع الآخرين بجدواها ومستقبلها.

اشترك فى النشرة البريدية لتحصل على اهم الاخبار بمجرد نشرها

تابعنا على مواقع التواصل الاجتماعى

السابق إيران: إنشاء خط اتصال مع أميركا لمنع وقوع أي حوادث
التالى المشروع الإيراني: من تصدير الثورة إلى تصدير الهزيمة